عندما شاهدت مسرحية (سكة السلامة ) للراحل سعد الدين وهبة فوق خشبة المسرح القومي زمن ازدهاره، وبدء أفوله أيضا، عام ثمانية وستين، لم أتخيل أن السنين ستمضي وأنني سأشهدها مرة أخرى بعيدا عن الوطن، في باريس، بعد ما يقرب من ثمانية وثلاثين عاما. الأبطال من مصر والمغرب، كلهم شباب، لم يكونوا قد جاءوا إلى العالم عندما عرضت المسرحية على خشبة المسرح القومي في القاهرة في الستينيات، زمن صعود المسرح المصري، عندما كان الاسبوع الواحد لا يكفي لمشاهدة العروض الجيدة لو خصص المرء لياليه كلها للمسرح، في كل مسرحية تظهر مواهب، وتتفجر طاقات، ويزداد الواقع ثراء. خلال زيارات سريعة متقاربة، قدر لي أن أشهد سكة السلامة مرة أخرى في باريس، يقوم ببطولتها هؤلاء الشباب من مصر والمغرب، الذين جاء معظمهم إلى باريس طلبا للعلم، أو للاستقرار، فمنهم من يعد الدكتوراه، ومنهم صاحب المقهى ومنهم العامل في التجارة أو الصناعة. الوحيد الذي رأى (سكة السلامة ) في عرضها الأول، منذ ثمانية وثلاثين عاما، هو صديقنا الدكتور عاصم عبد الحميد، أو كما يعرف في باريس بدكتور حميد، من جيل الأوائل الذين أسسوا التلفزيون المصري، ثم خرج عام واحد وسبعين، درس الاعلام وحصل على الدكتوراه من الولايات المتحدة، ثم استقر في أوروبا، ما بين إيطاليا وفرنسا، وكما نقول في مصر، فتح الله عليه وأصبح ميسورا، وظل الفن شاغله، ومما قدمه هذا العرض المدهش، والذي اعتبره نوعا من استحضار الوطن في الغربة، بعد إنتهاء العرض ينطلق دكتور حميد مع الشباب إلى مقهى الكرنك المصري بشارع موفتار بالحي اللاتيني، يسهرون حتى الفجر ويواصلون العرض، فالعمدة الذي يقوم بدوره سامي صديق، مصري أصيل الملامح، هاجر إلى فرنسا منذ عام ثمانين، لاتقانه الدور، تجاوز عندي أحمد الجزيري أحد نجوم المسرح القومي والذي أدى الدور في الستينيات، وغاب عني اسمه لا استحضره إلا بصعوبة، أسميه (العمدة ) وهكذا اصبح يعرف عند أصدقائه، أداؤه تلقائي، كأنه عمدة جاء من أعماق الدلتا إلى خشبة مسرح بيت المغرب الذي عرضت فوقه المسرحية، كذلك محسن شيخون، وطارق، أما الموهبة المفاجأة لكل من رآها، فهي بطلة العرض (سوسو ) حيث أدت الدور الفنانة سميحة أيوب، سوسو مغربية، كذلك جلناء هانم ( أذكر الأبطال بأسمائهم في المسرحية ) لكن نطقهم العامية المصرية يجعلنا نظن ونوقن أنهم أتوا من أعماق القاهرة القديمة للتو. الدكتور حميد مخرج العرض ومموله لم يسمح لهم برؤية أي تسجيل لعرض المسرح القومي، استغرقت التدريبات ساعات طويلة وليالي عديدة، كانت تتم في بيت المغرب بالمدينة الجامعية، أو صالات بعض الفنادق. جلست إلى الدكتور حميد في مقهى (الرحيل) عند ناصية شارع سان ميشيل والطريق المحاذي لنهر السين، حدثني عن التجربة وكيف بدأت، قال لى إن الموقف الثقافي في باريس بالنسبة للوطن العربي يبعث على التفكير، باريس تضج بالثقافة والنشاط والحيوية في مختلف مجالات الإبداع، كل إنسان جاء من ثقافة أخرى يحن إلى ما جاء منه ويود أن يستحضر عناصره ومفرداته للحفاظ على ذاته، بالنسبة للعرب توجد في باريس مراكز متعددة، ولكنها مرتبطة بخطط وسياسات، من هنا فكرت في تقديم عمل فني من خلال تجمع لا علاقة له بأي جهة أو سياسة، بمبادرة ذاتية من الألف إلى الياء، من أجل ذلك أطلقت على الفرقة اسم (الصحبة) يلتقون يوميا، يتواصلون، وبدأت بالفعل من المقاهي المصرية في باريس، حيث تم اختيار الممثلين،بالدرجة الأولى كان الحب أساس العمل، ولأن كلاً منهم لا يعتبر ممثلا محترفا، فقد قام ببناء الشخصية بنفسه، ثريا المغربية التي قامت بدور سوسو مثلا، كيف ستؤدي ؟ العمدة، المحامي، كان الإتجاه تلقائيا، بالنسبة للمغربيات اللواتي يتحدثن العامية المصرية باقتدار، فإنني أشير إلى التراكم الإنساني داخل كل منهن، إننا ننتمي جميعا إلى جذور واحدة وثقافة واحدة رغم التنوع، ثم يجب ألا ننسى الدور الكبير الذي لعبته السينما المصرية في نشر العامية المصرية، وارتباطها بنجوم أحبهم العرب في كل مكان. الأجمل أن كلاً منهن يفضلن تلك اللهجة، لهذا لم يكن الأمر صعبا. أما عن اختياره لمسرحية (سكة السلامة ) بالذات فلأن المسرحية ما تزال تعبر عن واقعنا رغم انها مكتوبة منذ حوالي أربع وثلاثين سنة، النماذج البشرية ما تزال تسعى بيننا، والأهم أن القضية الرئيسية في المسرحية ما تزال قائمة، فما لم نصلح أحوالنا من داخلنا لن يتم الصلاح الحقيقي، واننا يجب علينا الانتباه، فالأخطار محدقة من أولئك الذين لا يريدون لنا التقدم والحياة الكريمة. كيف تلقى الجمهور العربي العرض ؟ يقول الدكتور حميد، إن العرض قدم مرتين، الأولى على خشبه المسرح الجزائري، في المركز الثقافي، والثاني في بيت المغرب بالمدينة الجامعية، كان الترحيب عميقا مع الدهشة، فلأول مرة يرى الجمهور المغترب هنا مسرحية عربية جرى اعدادها للمسرح في باريس من هواة، الأبطال عددهم كبير، حوالي خمسة عشر، والمسرحية معروفة اذيعت أكثر من مرة والناس احتضنت العرض، كانت الصعوبة الأشد التي واجهتنا، ظروف الأبطال أنفسهم، معظمهم مرتبطين بأعمال لا يستطيعون الإنقطاع عنها، ولذلك كان من النادر أن نجري بروفة كاملة، الجميع هنا يواجهون ظروف الغربة الصعبة القاسية، لكن العرض نفسه صهر الاحساس بالوحشة، ومن ناحية أخرى يؤكد العرض قدرتنا على تقديم فن رفيع يسعد الناس بإمكانيات ضئيلة، كما تؤكد فرقة (الصحبة ) أن المواهب الحقيقية موجودة لا ينقصها إلا اكتشافها. ثريا المغربية التي تبلغ من العمر الثانية والعشرين، بطلة العرض، تؤكد حديث الدكتور حميد، ملامحها عربية أصيلة، وهشاشة حضورها الجسدي يذكرنا بسعاد حسني، رأيتها فوق المسرح قوية الحضور، بارعة الأداء. هل كان لها تجربة من قبل ؟ اسمها ثريا جمال، جاءت إلى فرنسا منذ عامين، تقوم بتحضير رسالة في الفنون الجميلة، متخصصة في هندسة الديكور الداخلي، لم يسبق لها الوقوف على خشبة مسرح إلا في المدرسة عندما كان عمرها اثني عشر عاما، التقت بالصحبة عن طريق الاصدقاء الذين تلتقي بهم في المقاهي المصرية، تقول ثريا إنها مثل كل العرب في باريس يشتاقون إلى اللغة العربية، وإلى اللقاء بالعرب، جرى ذلك في المقاهي المصرية التي يبلغ عددها الآن في باريس أكثر من ثلاثين، قرأت النص وأعجبت جدا بالنص، وبالتحديد شخصية سوسو، حببني إليها أيضا أداء الدكتور الذي كان يقوم بكل الأدوار أثناء قراءته للنص، كان عندي أيضا مشاهد حوارية عديدة في الأفلام المصرية، لكن أثناء القراءة كان الدكتور يصحح طريقة النطق طبقا للهجة المصرية، أجمل شيء أننا كنا نقوم بأدوار الآخرين الذين تضطرهم ظروفهم للغياب. استغرقت التدريبات أكثر من شهرين، أتقن كل منهم دوره، وفي بيت المغرب، على خشبه المسرح الذي يتسع لحوالي تسعمئة متفرج، بعد إنتهائه تواصل التصفيق، لعدة دقائق، غير أن أفراد فريق (الصحبة ) لم ينته العرض بالنسبة لهم، إذا جلسوا معا في مقهى الكرنك أو مقهى أم كلثوم يواصلون أداء الأدوار. على مقهى الرحيل تواصل حوارنا، قالت ثريا إن لقاءها مع الصحبة أوجد الوطن داخلها، أصبحنا كأننا عائلة واحدة. لمحت النظرة الذاهبة إلى بعيد، إلى نقطة غير محددة، تماما مثل نظرة الكاتب المصري، ذلك التمثال الفني الرائع في المتحف المصري، أو متحف اللوفر، النظرة التي تتجاوز الواقع إلى الأبد وتعبر عن الرحيل. لمحت نسخة عتيقة من (سكة السلامة ) لسعد الدين وهبة، بخط يده، مصوره، تحمل إهداء إلى صديقه العزيز عاصم عبد الحميد. ظل عاصم ـ الدكتور حميد محتفظا بتلك النسخة عبر رحلة طويلة جدا في الغربة، وكأن العنوان يعني أمله في سلوك سكة السلامة، يعني الوطن.