هل يتوافر لدى جون قرنق استعداد مبدئي جاد لتسريح «الجيش الشعبي لتحرير السودان» بعد تجريده من السلاح نهائيا وطوعيا؟ فاذا كان معنى اجماع كل القوى السياسية السودانية على صعيدي المعارضة والحكم على قبول المبادرة المصرية الليبية في شكلها المعدل، هو قيام حكومة قومية انتقالية تشارك فيها القوى الرئيسية السياسية في ظل نظام ديمقراطي تعددي كامل، فان قرنق يكون مطالبا بتحويل حركته وجيشه الى حزب سياسي لا يستخدم سوى الأساليب الديمقراطية السليمة. ان المبادرة المصرية الليبية المعدلة لحل مشكلة السودان تتكون من تسعة بنود ما بين مباديء واجراءات أهمها ما يلي: ـ قيام نظام ديمقراطي تعددي كامل. ـ تشكيل حكومة قومية لفترة انتقالية «تجرى بعدها انتخابات عامة حرة». ـ أن يكون حل مشكلة الجنوب في اطار وحدة البلاد. والسؤال الذي يطرح هو: هل تعني موافقة كل الفرقاء على هذه المبادرة بداية حقيقية لتصالح وطني شامل في السودان بما في ذلك توقف الحرب في الجنوب نهائياً؟ من أول وهلة نلاحظ انه بينما وافق كل من الحكومة بحزبها الحاكم «المؤتمر الوطني» وحزب الامة بزعامة الصادق المهدي على بنود المبادرة موافقة كاملة فإن موافقة «الحركة الشعبية لتحرير السودان» و«الحزب الاتحادي الديمقراطي» بزعامة محمد عثمان الميرغني جاءت مصحوبة بتحفظات ما لخصت في نقطتين قدمتا كاقتراحين يضافان الى بنود المبادرة، وهما: ـ فصل الدين عن الدولة. ـ النص على حق تقرير المصير لجنوب السودان. وعما اذا كانت هاتان النقطتان وضعتا على سبيل المناورة المتعمدة بنية نسف المبادرة او انهما وضعتا بنية حسنة وايجابية فاننا لن ننتظر طويلا لنعرف الاجابة. فالحركة الشعبية والحزب الاتحادي يقولان في اطار «التجمع» المعارض بلهجة تأكيدية ان ابداء ملاحظات ما لا يعني رفضا للمبادرة. وسوف يأتي اختبار هذا التأكيد عندما يحل اوان الخطوة التالية. فاتفاق الاطراف جميعا على المبادرة وبنودها يجب ان يعقبه اتفاق على «مؤتمر جامع» لكل القوى السياسية للنظر في تنفيذ بنود المبادرة. هنا سوف يوافق «التجمع» على نقل الاقتراحين الجدليين اللذين تقدم بهما الى أجندة «المؤتمر الجامع» او سوف يتصلب عند الاقتراحين مشترطا القبول بهما من طرفي المبادرة والحكومة السودانية لموافقته على عقد المؤتمر ـ مما يمكن ان يعكس نية مسبقة لنسف المبادرة. حتى الآن يبدو ان الطرف المصري لا يعترض على مبدأ فصل الدين عن الدولة.. ولن يعترض عليه الطرف الليبي، لكن طرفي المبادرة سوف يرفضان حتما مبدأ تقرير المصير لجنوب السودان خوفا من ان يفضي الى انفصاله. والأمر لا يخلو من غرابة. فلماذا تصر حركة قرنق على مبدأ تقرير المصير بينما ظل قرنق حتى قبل ايام معدودات من اعلان المبادرة المصرية الليبية المعدلة الاسبوع الماضي يردد علنا انه لا يؤيد اي حل لمشكلة جنوب السودان الا في اطار وحدة البلاد. على اية حال سوف يأتي الاختبار الاعظم لنوايا قرنق اذا انعقد شمل المؤتمر الجامع. حينئذ سوف يطرح على البحث مسألة تكوين حكومة قومية انتقالية تشارك فيها كل القوى السياسية الرئيسية بما في ذلك «الحركة الشعبية لتحرير السودان». فالمنطق البسيط يقول انه لا يصح ان يتاح لتنظيم سياسي ان يشارك في حكم قومي في إطار نظام ديمقراطي بينما يحتفظ ذلك التنظيم في الوقت نفسه بقوات قتالية. ان التصالح الوطني النهائي يجب ان يعني بالضرورة وضع نهاية للحرب.. وإنهاء الحرب يعنى بالضرورة تسريح جيش التمرد ومصادرة سلاحه. فهل يتوافر لدى قرنق استعداد من هذا القبيل؟ هذا سيكون الاختبار الأكبر