تأتي زيارة كولين باول للمنطقة في ظل توتر في العلاقات العربية الأمريكية يشمل معظم الملفات المهمة في العلاقات بين الطرفين، فانتفاضة الأقصى والرد الصهيوني عليها والعنف الشديد الذي صدر عن الجيش والمستوطنين على السواء، والموقف الأمريكي المنحاز للكيان الصهيوني ترك أثراً سلبيا واضحا في العلاقة بين الطرفين . وعلى صعيد الوضع داخل الولايات المتحدة انتهت فترة شهر العسل من حكم الرئيس بوش وبدأت تتبلور بشكل ملموس التغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية الأمريكية نتيجة وجود رئيس جمهوري في البيت الأبيض. فخلال الفترة القصيرة من حكمه انتقلت السياسة الأمريكية في ملفات كثيرة من التهدئة للتصعيد ويشمل هذا الموقف من الصين وتايوان والسودان وإحياء مشروع درع الصواريخ الذي يواجه معارضة دولية قوية من الحلفاء الأساسيين والخصوم على السواء.وتأتي هذه التغيرات مترافقة مع ميزانية دفاع زادت 33 مليار دولار دفعة واحدة عن آخر ميزانية دفاع في عهد كلينتون وإتجاه واضح لتكريس سيطرة أمريكية منفردة عالميا. وثمة مؤشرات واضحة على أن الدور العالمي للولايات المتحدة يواجه تحديات جديدة مصدرها رد فعل يتسم بالندية والخشونة من قبل معارضي سياساتها الذين لم يمنحوها الأصوات الكافية لتحتفظ بعضويتها في لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة وهي اللجنة التي احتفظت بعضويتها فيها منذ نشأة المنظمة الدولية دون إنقطاع، وقد تبعها خروجها من لجنة أخرى. وبعد أن بدأت روسيا تستعيد توازنها كقوة عظمى في ظل رئاسة بوتين تواجه سياساتها اختبارات صعبة في وسط آسيا وشرقها بغير قليل من القلق لحلف يتكون في هذا الجزء في العالم بين الصين وروسيا من جانب وروسيا من جانب آخر حيث تراهن روسيا على إمكان الجمع بين القوتين الكبيرتين في مواجهة الولايات المتحدة. وتطفو على السطح من آن لآخر قضايا تشير بقوة إلى وجود خلافات لا سبيل إلى تجاوزها في علاقة أمريكا بحلفائها الاساسيين في المنطقة العربية، وموقعها المعلن من قضية عالم الاجتماع المصري دكتور سعد الدين إبراهيم الذي أدانه القضاء المصري مؤخرا وحكم عليه بالسجن، وما يصدر عنها من تقارير تدين أوضاع الأقليات وحالة الحريات الدينية متغيرات سلبية على مسار تطور هذه العلاقات، ومما يزيد الأمور سوءا أن هذه الممارسات تستثنى الكيان الصهيوني من عمليات التقييم والإدانة، وهو ما يؤكد أن هذه المواقف تشكل أوراق ضغط للحصول على تنازلات من الأنظمة العربية في قضايا أخرى. وتلوح أمريكا بورقة جديدة تماما على العلاقات العربية الأمريكية. من خلال جهودها الكبيرة لتسليم الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، وهي الجهود التي كللت بالنجاح، منذ أيام ليكون أول رئيس سابق يمثل أمام محكمة دولية ليحاكم عن جرائم ارتكبها وهو في منصبه، وقد حاولت الولايات المتحدة طوال سنوات محاكمة النظام الليبي أو الرئيس القذافي بتهمة التورط في قضية لوكيربي، وهو ما لم تتمكن منه، وتبدو في جهودها لمحاكمة ميلوسيفيتش أنها تسعى لإسقاط تهمة التآمر والكيل بمكيالين التي يتهمها بها العرب بها فالجاني في هذه القضية مسيحي غربي ومعظم ضحاياه من المسلمين، وهي من جانب آخر تظهر حيادا بشأن محاكمة أرييل شارون التي ينتظر أن تبدأ قريبا في بلجيكا للغرض نفسه. وصلة هذا الأمر بالعلاقات العربية الأمريكية أن الولايات المتحدة، وهي تعلن سعيها لتغيير نظام صدام حسين، لا يستبعد أن تستخدم جهودا شعبية بريطانية بدأت منذ سنوات تستهدف تقديمه لمحكمة مجرمي الحرب، وقد نشر مؤخرا أن الولايات تشهد محاولات سودانية غير رسمية لتحريك دعوى ضد الرئيس السوداني السابق جعفر النميري بتهمة إرتكاب جرائم حرب ضد مدنيين في ما عرف بأحداث (جزيرة أبا) التي تعرضت فيها الجزيرة لقصف جوي استهدف إخماد ثورة شيوعية ضد حكم النميري عام 1970، وفتح هذا الملف سوف تكون له توابعه، فهناك أطراف عربية أخرى لها صلة بهذه الأحداث. ويتأسس هذا السلوك الأمريكي على رؤية لمفهوم سيادة الدول تسعى الولايات المتحدة لتعميمه وهو مفهوم (استعمار جديد)، ويواجه هذا المفهوم معارضة دولية كبيرة. وقد أقر الكونجرس الأمريكي عام 1996 ما عرف بقانون (مكافحة الإرهاب) الذي أعطى المحاكم الأمريكية سلطة قبول دعاوى ضد دول وأفراد غير أمريكيين بشأن جرائم إرتكبت خارج حدود الولايات المتحدة، وبناء عليه نظرت دعاوي ضد مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، وشركة سكك حديد فرنسية اتهمت بنقل يهود إلى معسكرات اعتقال نازية، وغيرها من الدعاوى، وربما كان مما يساعد على مواجهة هذه السياسة الأمريكية بشكل ناجح أن ندرك أنها ليست مؤامرة موجهة ضدنا فساحة المواجهة على هذا الصعيد ممتدة من بكين إلى بلجراد وقائمة المطلوبين ضمت ذات يوم اوجستو بينوشيه أحد أهم حلفائها السابقين. وربما كان من المفارقات التي تستلفت النظر أن بيل كلينتون الذي اختار طوال سنوات حكمه سياسة التهدئة في ملفات كثيرة وتبنى ما يسمى (الغموض البناء) لابقاء بعض الملفات المهمة بعيدة عن التصعيد اختار دبلوماسية محترفة هي مادلين أولبرايت التي عرفت كوزيرة خارجية بأداء وخطاب مستفزين أما جورج بوش الذي يتبنى منطق التصعيد والضغط والتهديد مع الحلفاء. وعلى المحللين السياسيين العرب إذا أرادوا تقديم صورة قريبة من الدقة عن السياسة الخارجية الأمريكية أن يتجاوزوا الظواهر السطحية المباشرة وصولا إلى البنية العميقة لهذه السياسة. فمنذ هنري كيسنجر لم يتول هذا لمنصب من يصبغه بضبغته الشخصية ومعظم وزراء خارجية الولايات المتحدة هم جزء من آلة ضخمة لا يملكون تحديد وجهتها منفردين. وفريق السياسة الخارجية الأمريكية الحالي يغلب عليه القصور، وبالتالي فإن خطاب باول وأداءه الهادئ واجهة لسياسة متشددة، فهو لا يتصرف بناء على أصوله الأفريقية أو مواقفه الشخصية التي عرفت بالاعتدال. ويغفل كثير من المحللين السياسيين العرب أن كولين باول ينتمي للمؤسسة العسكرية الأمريكية، فهو عسكري محترف تدرج فيها حتى وصل إلى أكبر منصب عسكري إذ تولى رئاسة هيئة الأركان المشتركة في عهد أكثر من رئيس أمريكي، كما تولى منصب مستشار الرئيس الأمريكي لشئون الأمن القومي. والمؤسسة العسكرية الأمريكية حسب وصف المؤرخين استولت على القرار السياسي الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية - من خلال آلياته المعروفة - ويرى العسكريون الأمريكيون أن على الولايات المتحدة أن تستبعد خيار الإنعزال عن العالم، وأن عليها بدلا من ذلك اتباع سياسة للتدخل النشط في مناطق الأزمات وعدم التردد في إستخدام القوة العسكرية عندما تقتضي الضرورة ذلك. وصلة المؤسسة العسكرية بمجمع الصناعات العسكرية صلة وثيقة، فمزيد من مبيعات الأسلحة يعني مزيدا من النفوذ وهو بدوره يعني مزيدا من مبيعات الأسلحة وهكذا. وإذا كانت القضية الفلسطينية تمثل أحد أهم ملفات العلاقات العربية الأمريكية، فإنها هي الأخرى في وضع حرج بسبب الطريق المسدود الذي وصلت إليه مسيرة التسوية، وتبدو المراحل التي مرت بها متواضعة الحصاد، وأكثر من أي وقت مضى إنفجار الأوضاع صار واردا بين الفلسطينيين وسلطات الاحتلال أو بين الكيان الصهيوني وأي من جيرانه العرب. غير أن جولة باول في المنطقة قد تكون مؤشرا على أن الولايات المتحدة ستعود إلى لعب دور فاعل في المنطقة من خلال دبلوماسية نشطة بعد أن تصورت أن بإمكانها دفعها إلى زوايا الاهمال بين اهتمامات الخارجية الأمريكية. ـ كاتب مصري