منذ وقف اطلاق النار بين الفلسطينيين والاسرائيليين، والاوضاع تتحرك من الهدوء المشوب بالحذرالى حالة من حالات الانفجار المؤجل اذ نجدها تتدهور في يوم ثم تلتئم في يوم اخر، ونجدها تزداد خطورة في اوقات لتزداد ترقباً في اوقات اخرى انها حالة من الغليان الدائم الذي يعكس طبيعة المطالب المتوالدة من صراع صار له عقود واحتلال لاراضي الضفة الغربية وغزة صار له ما يقارب ثلاثة عقود ونصف وانتفاضة صار لها ما يقارب العام. القصة الفلسطينية الاسرائيلية لم تنته بعد، اذ مازال الصراع المفتوح مستمراً على كل قطعة ارض وكل هامش وقطرة مياه. ولكن بنفس الوقت هناك خيط رفيع، قد نطلق عليه خيط معاوية نجده يربط الاسرائيليين والفلسطينيين والصراع بينهما.. فإن تحرك الوضع السياسي نحو الحل والوسطية ونحو تلبية لمطالب سياسية ونفسية وحقوقية ترتبط بالوعد بانسحاب اسرائيلي من الاراضي التي احتلتها عام 1967، هدأ الوضع وانفتحت وسط افاقه مجريات الامل، اما ان تأخر هذا الوعد بانسحاب اسرائيلي وتعقدت شعابه وارتفعت شروط استيفائه انعكس انفجاراً وثورة. هناك ترابط لا حد له بين وجود الامل بالمستقبل والتهدئة للأزمة وهناك ترابط كبير بين تأمين آلية واضحة للتفاوض والتقدم على طريق الحل والسلام. في هذا المجال من الصعب ان يصمد وقف لاطلاق النار في ظل اغلاق المدن ومحاصرة القرى ومنع حركة الناس، بل يصعب ان يصمد وقف لاطلاق النار في ظل اهانة السكان واستمرار عملية الاستيطان.. بمعنى اخر لا يوجد طبيعة ابدية لثورية الفلسطينيين، فهي مرتبطة بالاحتلال وانغلاق سبل المستقبل، ولا يوجد طبيعة ابدية ايضاً لمقدرة الاسرائيليين على تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني، فقد سبق لافريقيا الجنوبية البيضاء ان اعترفت بحقوق الاغلبية السوداء، كما سبق وان اعترفت فرنسا بحقوق الجزائر. ويضيف الى هذا التوتر في هذه المرحلة وجود رئيس للوزراء في اسرائيل يؤمن بأن الحلول العسكرية قد تؤمن له طريقاً لا يجده في الاوضاع السياسية الراهنة، بل يؤمن رئيس الوزراء شارون بأن الهجوم خير من الدفاع وان النصر ممكن في ظل استخدام عناصر القوة الاسرائيلية. وقد يجد شارون من موقعه العسكري والسياسي بأن افتعال حرب موسعة مدخلها لبنان ومادتها سوريا هو افضل وسائل الافلات من الحالة الراهنة، وقد يكتشف بأن قيادة الاوضاع في فعل وردة فعل نحو مواجهة موسعة هو افضل ما يساعده على استخدام عناصر القوة العسكرية الاسرائيلية التي لم تستطيع اسرائيل استخدامها حتى الان بسبب الضغوط الدولية والاقليمية. ويمكن القول بأن المستقبل في المدى البعيد هو للعرب، فهم الاغلبية في فلسطين وخارجها ولكن يمكن القول بأن التفوق الاسرائيلي قد ينجح في تغيير الموازين في ظل غياب القوة والتكنولوجيا والوحدة والحريات والديمقراطية على صعيد العالم العربي الاوسع. بين الفرضيتين تنطلق اسرائيل اليوم من محاولة ترجمة تفوقها العسكري والعلمي والتقني والاقتصادي الى تفوق يساعدها على استمرار احتلالها، بين هذه المحاولة الاسرائيلية لشراء الوقت وبين المحاولة الفلسطينية والعربية لمنع حصول هذا وتأمين حلول سياسية تسمح ببناء جسر من العدالة تقع الحقيقة الصعبة في الصراع الراهن والمفتوح. استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت