المشهد الذي وقع على شاشات التليفزيون الكوبي يوم السبت 23 من يونيو الماضي، والمؤكد أن عيون المخابرات الأمريكية كانت تراقبه عبر عشرات الوسائل الأخرى العلنية والسرية يفتح الطريق أمام العديد من التساؤلات والآلاف من الأسئلة التي لا يملك أحد الإجابة عنها، فقد شاهد الشعب الكوبي لأول مرة بعد اثنين وأربعين عاما من الثورة المستمرة قائده وقائد تلك الثورة في حالة ضعف ظاهر لم يكن يتوقعه على الاطلاق، ولم يكن أي فرد من المؤمنين بالثورة الكوبية يطرأ على ذهنه مشاهدة الزعيم «الأوحد للثورة» فيدل كاسترو مغشيا عليه. الزعيم الثوري الذي قاد ثورة على الطريقة الأمريكية: شباب بيض البشرة طوال الأجسام عريضو المناكب يرتدون الملابس الخضراء الزيتونية والمسدسات تتدلى من خصرهم على طريقة رعاة الأبقار «الكاوبوي» التي رسمتها في أذهان العالم كله الأفلام الأمريكية، كانت تلك صورتهم الدائمة، وكانت علامتهم التجارية المسجلة التي هزمت الدعاية الأمريكية نفسها، ولم يفلح ذهب المخابرات المركزية ولا جواسيسها وقنابلها وسمومها في مجرد المس بهم، بل كانت تلك الدعاية سببا في أن يتحول «التشي جيفارا» قديس تلك الثورة إلى قديس كل الثورات المعادية للأمريكيين في العالم كله. ظلت تلك الصورة راسخة في أذهان من عاصروا تلك الثورة وشاهدوا مسيرتها سواء عن بعد أو عن قرب، تلك الصورة اهتزت قبل أسبوعين بسبب صورة «فيدل كاسترو»، البالغ أربعة وسبعين عاما من العمر، أمام الجماهير في حالة ضعف ظاهر. كان المشهد عاصفا، خاصة انه جاء في لحظات توقف فيها التساؤل عن أي تحول في مسيرة كوبا بعد أن تبين أن أي انفتاح مارسته قيادة فيدل كاسترو خلال السنوات الماضية على اثر سقوط داعمه الأول «الاتحاد السوفييتي» في مواجهة الولايات المتحدة وحصارها الذي بدا منذ اللحظات الأولى من الثورة، ومؤامرات مخابراتها التي لم تهدأ أبدا، حتى أصبحت المؤامرات للتخلص من كاسترو وتصفيته جسديا حكايات كل يوم، يرويها رجالها الذي أحيلوا على التقاعد، وبعضهم يعيشون ويتعايشون من تلك الحكايات، وفيدل كاسترو لا يزال يواصل رفع شعاره الأبدي «الثورة أو الموت». حالة الإغماء المفاجئة التي أصابت كاسترو وهو يلقي خطابه أمام الجماهير الكوبية فسرها البعض بأنها حالة طبيعية، نظرا إلى أن الزعيم الكوبي اعتاد إلقاء خطابات طويلة ومرهقة، تمتد إلى اكثر من ست ساعات في المعتاد، وبعضها يكاد يكون مسجلا كرقم قياسي باسمه في موسوعة «جينيس»، ولم يتفوق عليه زعيم سياسي آخر على الكرة الارضية، او على الأقل في عالمنا وزماننا المعروف. وصف هذه الإغماء بالاعتيادية فيه بعض المنطقية، لأنها جاءت بعد ساعتين كاملتين من بدء فيدل كاسترو خطابه تحت شمس استوائية حارقة، إغماءة يمكن أن تصيب أي إنسان نتيجة الحرارة والإعياء، لكن هذا لا يعني أن باب جهنم الأسئلة حول: من يخلف كاسترو؟ قد انفتح على مصراعيه، على الرغم من المحاولات المبذولة ليبدو أن الأمور تسير في كوبا بشكل طبيعي. منذ أن انهار جدار برلين وانفرط عقد الاتحاد السوفييتي إلى دويلات متناثرة لا حول لها ولا قوة، وتساقطت الأنظمة التي كانت تشكل دعامة منظومتها العسكرية في حلف وارسو في مواجهة حلف الأطلنطي، والأنظار تتجه بقوة بحثا عن تغييرات مؤكدة في كوبا، كانوا يرون أنها تغييرات حدوثها لا محال، كالقدر الذي لا يمكن الهروب منه، ومرت السنوات التي تخطت العقد من الزمان وكاسترو لا يزال يمارس عادته في الخطابة أمام جماهيره لساعات طويلة، ينهيها عادة بشعاره المحبب إلى نفسه والذي اصبح ماركته المسجلة في هذا العالم «الثورة أو الموت». نجح كاسترو في إيهام العالم كله، وعلى رأسه القوة الأولى المسيطرة على العالم الولايات المتحدة الأمريكية، بان شيئا ما يتحرك نحو الانفتاح والسير في طريق «العولمة الاقتصادية» مدفوعا بقوة التيار الذي أحدثته هذه العولمة منذ انهيار المعسكر الشرقي، وان مسألة سقوط الثورة الكوبية في مستنقع العولمة والسوق المفتوحة مسألة وقت لا اكثر، لكن الانتظار طال ونفد صبر البعض، وتبين أن كل التحليلات مع هذا الرجل لا يمكن أن تصيب، تماما كما خابت كل محاولات المخابرات الأمريكية في التخلص منه أو من نظامه. مع الخطوات الأولى للعولمة انهارت حركات ثورية كاملة في الدول المحيطة بكوبا مثل الثورة الساندينية، وسلمت أنظمة وحكومات كل ما تملك من مقدرات شعوبها للشركات المتعددة الجنسية أملا في أن تحقق العولمة معجزات اقتصادية فشلوا في تحقيقها، إلا كوبا وفيدل كاسترو، فقد كان الانفتاح على أموال الاستثمار الأجنبية مشروطا ومقرونا بقيود تحاول السيطرة على أي تحرك رأسمالي لقلب نظام الحياة التي خططها وينفذها نظام كاسترو بإحكام، لأنه لا مجال للمخاطرة بفتح الطريق أمام رؤوس الأموال الأجنبية بلا قيود، لان هذا يعني في الحقيقة شيئا واحدا: أن ما فعلته الثورة منذ قيامها عام 1958 وسقوط الدكتاتور المدعوم أمريكيا «باتستا» كان مجرد دخان يذروه الريح. لذلك خابت كل التوقعات مع كاسترو، وانتهت كل الرهانات، تماما كما انتهت المحاولة الأمريكية لغزو الجزيرة بهزيمة مشهودة لا يمكن محوها، وخابت كما خاب الحصار الأمريكي حول الجزيرة بعد خيبة الغزو، والذي رغم الإعلان عن الخيبة لا يزال هناك في الولايات المتحدة الأمريكية من يدعو إلى مزيد من الحصار. لكن السؤال الأكثر إلحاحا الآن ليس هل يزول نظام فيدل كاسترو برحيله أم لا؟ بل التساؤل هو: من الرجل القادم في كوبا بعد كاسترو، بعد أن تبين أن الزعيم الثوري ليس خالدا، بل هو بشر له نهاية مثل كل البشر؟. هناك من يريد أن يتساهل في الأمر ويعلن أن الوريث الوحيد لفيدل كاسترو هو شقيقه «راؤول» الذي يحتل مناصب: النائب الثاني لسكرتير الحزب، ونائب رئيس الوزراء، إضافة إلى وزارة الدفاع منذ أن نجحت الثورة وتحولت إلى نظام، لكن من يشاهد راؤول يكتشف انه صحيا ربما يرحل قبل رحيل كاسترو. ورغم إشارات فيدل إلى شقيقه على انه قادر على المحافظة على استمرارية الثورة من بعده، إلا انه كثيرا ما يعلن أن شباب الحزب يؤمنون بشعار «الثورة أو الموت» وانه لا محال من الاستمرار على الطريق نفسه من بعده. الحقيقة تقول أن فيدل كاسترو لم يتوقف لحظة واحدة عن البحث عن وجوه جديدة يحيط نفسه بها، ليس لمجرد التجميل حتى يقال أنه «نصير الشباب» بل تلك حقيقة يعرفها الجميع، وفي هذا المجال هناك العديد من الشواهد ما يؤيد هذا، فهو يعتبر منظمتين شبابيتين هما: شبيبة الحزب واتحاد شباب الجامعات منجما يبحث فيه عن الخبرات الشبابية التي يمكن أن تلعب دورا في المستقبل، ويقرب من يختاره من هاتين المنظمتين للعمل معه عن قرب ثم يسلمه مسئولية كبرى في النظام. هناك العديد من الوجوه البارزة في النظام الكوبي الذين اختارهم فيدل كاسترو من الشباب يحتلون مناصب هامة على الرغم من صغر سنهم ويبدو الفارق بينهم وبين جيل الزعيم الثوري كبيرا، هناك مثلا «فيليبي لوبث روكي» البالغ من العمر 36 سنة فقط والذي عمل مساعدا شخصيا لفيدل كاسترو لست سنوات قبل أن يوليه الوزارة قبل عامين، وهناك أيضا «كارلوس لاخي» البالغ من العمر 49 عاما والذي يحتل حاليا منصب نائب الرئيس الكوبي، أي نائب كاسترو شخصيا، وتلك مكانة ليس بالقليلة في نظام محكم مثل نظام كاسترو الذي يتطلب إيمانا حقيقيا بالثورة وقائدها المعرضان دائما لمؤامرات خارجية. ثم هناك عدد من المساعدين الشخصيين للزعيم الكوبي يعملون إلى جواره منذ سنوات على الرغم من صغر سنهم، منهم «حسن بيريث» الرئيس الحالي لاتحاد طلاب الجامعات في كوبا والذي لا يكاد يفارق فيدل كاسترو لحظة واحدة، معه في حله وترحاله. لكن المشكلة لا تكمن الآن في اسم من يحتل مكان فيدل كاسترو بعد رحيله، بل تكمن في رحيله في حد ذاته، وإذا كانت الاغماءة التي أصيب بها لفترة قصيرة أثناء إلقاء خطابه أمام الجماهير قبل أسبوعين تعتبر علامة على الإجهاد الذي أصيب به وأنها علامة على أن الشيخوخة تنذر بنهاية هذا الزعيم الثوري التاريخي، أقدم زعماء الثورات التحررية الذي لم تفلح معه سموم ورصاص المؤامرات. فيدل كاسترو ليس خالدا، هو بشر، لكن من يأتي من بعده يملك احتمالات البقاء على النهج نفسه، ويملك أيضا احتمالات التغيير، وان كان المراقبون يرون انه لا يمكن الاستمرار على هذا الحال بعد كاسترو، وان من يأتي من بعده مطالب بالتغيير، بل مجبر بان تكون له رؤيته الخاصة، ويؤكدون أن الشعار الذي يرفعه الشباب أمام الزعيم محكوم بظروف وجوده شخصيا، وان من يأتي من بعده لا بد وان يضع نفسه في إطار ظروف الخاصة تاريخيا. الجميع يتساءلون عن الزمن المقبل، حتى اكثر المعارضين الكوبيين لكاسترو، ومنهم المعارض المعروف «اليزاردو سانشيث» أعلن قبل يومين انه على استعداد للتخلي عن المطالبة بإسقاط الثورة نفسها في حالة رحيل كاسترو بالموت، وتأييد من يحتل مكانة حفاظا على كوبا الدولة، لأنه -كما يقول- يشعر بالمسئولية تجاه وطنه، وأي محاولة لخلخلة الوضع في كوبا بعد رحيل كاسترو ستكون مدمرة، وهو لا يريد لوطنه التدمير. لكن مهما كان المرشح لخلافة كاسترو، وأيا كان اتجاهه فان أسئلة كثيرة تظل معلقة في الهواء، ومحاولة الإجابة عنها ستكون ضربا من التنجيم، وقد لا تصيب الحقيقة في شئ، لان التجارب التي مرت بها العديد من الثورات التي حدثت في زمن الثورات في النصف الثاني من القرن العشرين تؤكد انه لا ثورة بقيت على حالها بعد رحيل زعيمها. لكن في النهاية هناك حقيقة وحيدة مؤكدة: كاسترو هزمه الزمن ولم تهزمه المخابرات الأمريكية، والمؤكد أن رحيله محكوم بهذا الزمن، ولكن ليس من المؤكد أن يبقى الحال على ما هو عليه بعد رحيله جسديا. ـ كاتب مصري tshahin@maktoob.com.