لا أعتقد بأنني كتبت في هذه الزاوية اليومية من صحيفة «البيان»، حول قضية تؤرقنا جميعاً بقدر ما كتبت حول: أزمة وواقع الفضائيات العربية، وخلل التركيبة السكانية، ومع ذلك فإن قراءنا الأفاضل مازالت رسائلهم التي نعتز بها تتواصل لتفتح فينا الجرح ذاته، ولتطلب مزيداً من الكتابة حول هذه القضايا، تماماً كما عبر أحد القراء في رسالة له وصلتني منذ مدة يبدأها بقوله: (اتوجه اليك بنداء ان تكتبي في عمودك اليومي عن ظاهرة خطيرة جداً جداً جداً). طبعاً الظاهرة الخطيرة التي دعت القارئ العزيز لان يتوجه اليَّ بنداء، لا علاقة لها بالوضع المتفجر في الأراضي المحتلة، ولا باحتمالات قيام حرب في المنطقة، ولا بجماعة عبدة الشيطان في مصر، او الدروس الخصوصية في الامارات او.. وإنما حسب رسالته هي قضية خطيرة على المستوى الاعلامي العربي، ودرجة الخطورة تكمن في أنها تمس كل بيت عربي ومسلم! القضية يشرحها القارئ قائلاً: (انني من متابعي ومشاهدي أفلام محطة الشوتايم وذلك لسهولة الاشتراك فيها، وكذلك لأسعارها المنخفضة) «طبعاً هذا كلام القارئ وليس في الأمر شبهة دعاية من جانبي» ويكمل: (وفي البداية لم أعر نوعية الأفلام انتباها، ولكن مع مرور الوقت وباعادة مشاهدة هذه الأفلام فإن 95% منها افلام تمجد الشخصية اليهودية!!). القارئ الكريم ـ وعلى ما يبدو من شرحه ـ انه أبحر كثيراً في لجج المحطة المذكورة، وتابع معظم ما عرضته قنواتها من أفلام، وهو يسمي قنوات لم أسمع بها، ولم أشاهدها (ربما لأنه لا يوجد عندي اشتراك في القنوات المذكورة ولله الحمد)، ودليل إلمامه هو هذه التفاصيل الدقيقة التي يذكرها عن الأفلام التي رأى من خلالها درجة الطيبة التي يتمتع بها اليهود، وكيفية محافظتهم على اقامة صلواتهم، ومدى جمال نسائهم و...الخ. طبعاً لا تتوقع عزيزي القارئ ان ينتج اليهود (ملوك هوليوود) أفلاماً تسيء اليهم وتظهرهم بشكل فج ولا إنساني، بل على العكس مطلوب انتاج سينمائي يغزو عقلية العالم لمحو صورة اليهودي السفاح الجشع البخيل المرابي القذر الخ... تلك الصورة التي أجاد رسمها (شكسبير) في مسرحيته (تاجر البندقية) حول شخصية اليهودي (شايلوك)، وهذا تحديداً ما نجحت السينما في تقديمه للغرب الاوروبي وغير الاوروبي، واليوم مطلوب منا أن نصدق هذه الصورة أيضاً، وهذا الغزو السينمائي عبر هذا الكم من القنوات الاجنبية التي تبث هذه الأفلام حلقة في سلسلة محاولات الاختراق التي لا تنتهي. يختتم القارئ رسالته بسؤال حول دور الأجهزة الاعلامية العربية (يقصد الرقابة الرسمية) في مواجهة هذه المحطات، مقترحاً حملة مضادة لها، أو ارغامها على عدم بث هذه الأفلام للمنطقة، كما تفعل المحطة الفرنسية (TV5)، فهي تبث الى اوروبا أفلاماً خاصة بهم، والى عالمنا العربي والاسلامي أفلاماً اقرب الى مفاهيمنا وقبولنا العام لها. طبعاً اجهزة الرقابة العربية الرسمية يا أخي منشغلة برقابة ما يكتبه ويعلنه ويذيعه ويصوره المواطن العربي، فهذا هو الخطر الاكبر الذي يجب التصدي لجراثيمه ولوثاته، اما ما نتحدث عنه فيأتي في المرتبة الاخيرة، مع اننا نضم صوتنا الى صوتك مطالبين بمنع بث مثل هذه الأوبئة الى عقول أجيالنا وشبابنا، خاصة وأننا نعيش حالة عامة انكشفت فيها الشخصية اليهودية خلال فترة الانتفاضة بشكل فاضح جداً، عرّى كل تزييفات، ومقولات شعب الله المختار، وحمائم السلام، وواحة الديمقراطية و... الخ. منذ اسبوع عرضت قناة فضائية عربية وفي منتصف النهار فيلما (اسرائيلياً) خالصاً تمثيلاً واخراجاً ونصاً وفكرة، الفيلم كان دفاعاً مطلقاً عن منطق (اسرائيل) وحقها في قتل الفلسطينيين دفاعاً عن نفسها وأمجادها وتاريخها العظيم!! الفيلم لم تعرضه الشوتايم، بل عرضته محطة... الفضائية العربية!!