الشيء الوحيد المطارد في صحف العالم العربي هو «الحرية» وهي التي يبحث عنها رؤساء التحرير فلا يجدون مفراً من ملاحقتها بأنفسهم ليس حباً فيها ولكن رضوخاً لكثير من الموازين التي تقيد اعمالهم في رفع درجة مصداقية ما ينشر في معظم الصحف. يندهش المرء في متابعته اليومية لما ينشر حول الملاحقات القانونية للصحافة والصحافيين وبالذات عندما تعلو الاصوات المطالبة والأقلام الحادة لنيل المزيد من الحرية في النشر لصالح الصحف ذاتها والمانعة لنسماتها. فمحاولات السلطات الدؤوبة لاتتوقف في اتخاذ كل الاجراءات اللازمة وغير اللازمة للبحث عن انفاس من الحرية لخنقها قبل ان يصل نفسها الى أنفاس القراء في صبيحة اليوم التالي، فالعنوان المثير أحياناً مؤذن بالقلق لكل من ساهم في ابرازه والمقال الساخن يرعب ويؤدي الى تصادم البروق والرعود في الجو العام فتتعكر الامزجة، وتجفو الوداد وتيبس الألسنة وتتجمد عن الكلام المفيد حتى يتم التخلص من الحرية الجزئية التي قد يسمح لها بالانتشار المحدود في ظرف ما، الا انها لا ترى النور طويلاً حتى تعود أدراجها الى الكون فتلعن النور وتمدح الظلام الذي يقيها من ظلم الرقابة الذاتية قبل اللاحقة. فالمسموح ان يقال يحتاج أن يُحتال عليه حتى يسمح له بالنشر والا فان المقص لا يفوته دقة النظر الى ذرات الحرية المنثورة بين سطور المقال قبل بدء السؤال عن المقصود والمعني والمغزى والمعنى المراد. فقبل الوصول الى الاجابات الشافية حتى وان كثر السجال حول نقطة معينة، فان الخوف من التأويل السلبي يفقد المنشور طعمه ومذاقه، لان الجديد الجريء قد يعصر في كلمة بين السطور ولا يشترط ان يملأ المقال طولاً وعرضاً. فالحرية الحبيسة بين تلك الاسلاك الشائكة لا تخرج الى العلن الا وهي مثخنة بالجراح ومليئة بالبثور والتشوهات التي تجعل صورة الصحف في مجتمعاتنا مهزوزة بشكل يومي وخاصة بين العليمين وخبراء هذه الوسيلة الاعلامية التي تبحث عن الحرية في مكانها فلا تشم من رائحتها الا بعد ان يتم التخلص منها في مطبخ الصحافة قبل الوصول الى مطابخ القوانين الاخرى الاعلامية وغيرها.