لا يحزن الصحفي مثلما يحزن على إغلاق صحيفة، أو قصف قلم، لأنه يعدل الاغتيال في جرمه، بل يتعداه في خطورته، وتهديده للحريات وفي مقدمتها حرية الرأي، التي بدونها تظل الحقيقة غائبة وعاجزة، فيما تنتشر الاكاذيب وتزدهر صناعة الزيف في الظلام، وان طغت الأضواء المضللة الخادعة. لكن، ما العمل، عندما تختلط الامور، وتنتعش تجارة انتحال الادوار، وتتحول الصحيفة من كونها منبراً للتنوير، الى اداة لترويج كل ما يخالف وينتهك القيم، ويستهزيء بمواثيق الشرف، ويستعيض عن رسالة إعلام القاريء بالحقيقة، بإثارة الغرائز ومخاطبة النصف الأسفل للإنسان؟ في هذه الحالة، أو المفارقة السخيفة، تصبح المجاهرة بالفرح والبهجة والارتياح لاغلاق اي صحيفة صفراء، فرض عين، على كل صحفي ملتزم بقيم المهنة، دون الوقوع في تناقض بين الدعوة لتوسيع نطاق الحريات الصحفية، والتشدد في معاقبة الخارجين على قيم وآداب المهنة، والذين يشكلون الخطر الحقيقي على حاضر ومستقبل الصحافة العربية. دفعني لهذا الكلام الذي يبدو مكرراً، الحكم الذي اصدرته محكمة القضاء الاداري بمصر المحروسة ـ ان شاء الله دائما ـ بإغلاق والغاء ترخيص صحيفة «النبأ» عقابا لها، على جرمها المشهود ونشرها لصور فاضحة حول قصة الراهب المشلوح ولياليه الحمراء مع ضحاياه من النساء، تحت عناوين مثيرة تفتقر للياقة الاخلاقية والمهنية، وكادت تشعل فتنة نائمة لعن الله من ايقظها. قد يكون الحكم غير نهائي، وربما يمتد مشوار التقاضي، الا ان حكم الرأي العام اصبح نهائيا وغير قابل للنقض أو الاستئناف، بعد ان استيقظ الجميع على حقيقة ان هناك صحفا تخجل تلك المسماة تقليديا بالصفراء، من الاقتراب منها لشدة انحرافها وخروجها على أبسط قواعد الاخلاق، او مباديء مهنة الصحافة. على أن موقعة «النبأ» اظهرت قدراً من جبل الجليد المتخفي عن العيان، والذي يحمل في طياته تهديداً حقيقياً لصحافتنا العربية ليس فقط من باب العبث بقيمنا الاخلاقية وآدابنا العامة، بل ايضا من باب التطاول على قيمنا الدينية، تحت مزاعم حرية الابداع والرأي، وغالبا لا يقترفه الا المفتقرون لابسط مقومات الابداع، من غير الموهوبين، ومعظمهم ثقافاتهم سطحية، ومصادر الهامهم وكتاباتهم لاتزيد على مكونات صناديق «قمامة» كبار المبدعين! والحقيقة التي اظهرتها موقعة «النبأ» حسب ما هو متداول، ان اصحاب هذه الصحف لم تكن لتقوم لهم قائمة، لولا «الحضن الدافيء» الذي مرحوا وتمددوا وتغولوا به، والذي وفره لهم بعض الكبار سواء من المسئولين عن اجهزة بعينها، او من المحسوبين على الدولة. ويبدو ان هناك ارتباطا بين ازدهار مثل هذه الصحف وتدهور الحياة الحزبية وتزايد سطوة أجهزة الدولة البيروقراطية على الصحافة كمؤسسات وصناعة. وهناك أيضا، ارتباط قوي ووثيق بين اركان الفساد والصحافة الصفراء، الذين يضربون الصحافة في مقتل بتشجيعهم لتلك النماذج «الطفيلية» التي تعادي صحافة التنوير وصناعة الرأي العام، وتضحي بالمكاسب المادية وان تعاظمت الحاجة اليها من اجل موقف ودفاعاً عن حق القاريء في المعرفة.. وتعلي من شأن سلطان الكلمة.. طبعاً الكلمة المنزهة عن دنيء الاغراض أو الممالأة لأحد. والامل معقود على الرأي العام الصحفي في اجتثات كل نبت اصفر من ساحة الصحافة العربية، حتى تتفرغ لاداء دورها والا.. سيكون حالنا.. وكأنك «يا أبو زيد ما غزيت».