أحسبني مدينا لاقامتي في مدينة كيمبردج الأمريكية باكتشاف جهلي الفظيع بلغة الزهور ولغة النباتات بوجه عام، هذا عدا أوجه أخرى كثيرة من الجهل اكتشفتها وأحاول معالجتها لعلي أجاوز جوانب جهلي. أما لغة الزهور فقد تصاعدت مشكلتها إلى جهاز الوعي في رأسي بعد إنقضاء فصل الشتاء، وذوبان الجليد، ومن ثم مقدم الربيع بتفتح الزهور، واكتساء الأغصان بالأوراق الخضراء، وامتلاء الممرات والحدائق والشواطئ وباحات الجامعة وساحات المنازل بمختلف ألوان الزهور والنبات، ومع تمكن الربيع، وإكتمال الخضرة الربيعية، صرت استمتع فعلا بالمشي في شوارع كيمبردج الهادئة، متمتعا بمشاهد الأشجار المختلفة الألوان والأشكال ومساحات الظل، ومشاهدة باحات البيوت وحدائقها التي يتبارى أصحابها في استنبات الزهور والنباتات المختلفة فيها. ومن المناظر التي تعودت عليها مع اواخر شهر أبريل وبداية مايو أن تجد سكان هذه المنازل يضعون القفازات في أيديهم، ويحفرون في الأرض لشتلات الزرع الجديد. وأمضى في تجوالي على شاطئ نهر شارلز الذي يفصل مدينة كيمبردج عن مدينة بوسطن ولا أمل من السير لأميال، فتعدد ألوان النبات وأنواع الازهار والأشجار يبهج العين والقلب، ويجعل السائر يدخل في جنة بهيجة من الروائح والألوان والأشكال والأحجام. وقررت مرة أن أختبر نفسي وأعرف أسماء الأشجار والنباتات التي تقابلني، فكانت النتيجة سقوطا مريعا في الامتحان، وجهلا فادحا لا يليق بسني الذي يقترب من الستين. وقلت لنفسي : دعك من الأسماء الأفرنجية، وماذا عن الاسماء العربية التي تعرفها للزهور، وهنا وجدتني فصيحا أعرف الورد البلدي والنرجس والقرنفل والياسمين وزهر الليمون.وقلت لنفسي : ليس هذا فحسب فهناك الليلك والاقحوان والنيلوفر، وأخذت أستعيد الأبيات التي مازلت أحفظها، واكتشفت أنني أحفظ أسماء الكثير من الأزهار التي يتحدث عنها الشعراء ولكني لم أر هذه الأزهار، وحتى إذا كنت رأيتها فأنا لا أعرف كيف أطابق بين الاسم والزهرة المتعينة أو النبات المختلف. واكتشفت أنني لست وحدي في ذلك، وأننا كما نقول : كله عند العرب صابون، يمكن أن نقول كله عند العرب ورود وزهور، ولكن ماذا عن مئات بل آلاف الأسماء ؟ لا شيء. كله زهور وورود. وماذا عن الخبرة الحية بالطبيعة ؟ لا شيء. وبالطبع، كانت خيبتي كبيرة عندما سرت مع صديقي بيل جرانارا على شاطئ نهر شارلز، ثم عبرناه إلى الشاطئ الآخر، حيث مررنا بشارع جميل في طريقنا إلى حدائق (الكومون ) الرائعة. وحلا لصديقي بيل جرانارا أن يختبر معلوماتي، وسألني عن هذه الأزهار البديعة التي تتكاثف في مدخل هذا المنزل الذي مررنا به فقلت لا أعرف ؟ فقال لي : هذه هي الفوسيثيا، ثم إنتقل إلى غيرها المتكاثر أمام منزل آخر وسألني : وما هذه؟ فقلت لا أعرف، هذه هي الهياكنث، أما هذه فهي الهولي هوك، وانطلق بيل يعدد لي الأسماء، ويذكر لي منها العشرات، ويطلب مني في كل مرة أن أكرر وراءه اسم الزهرة أو اسم الشجرة، ومضينا على هذا الحال لأكثر من ساعة ونصف، دون أن ننتبه إلى أننا قد دخلنا إلى حدائق الكومون في بوسطن وظللنا على هذا الحال إلى أن شعرت بأنني لن أتذكر كل هذه الاسماء فطلبت منه الاكتفاء بما ذكر، حتى أعطي لذاكرتي الفرصة للتذكر، وضحكت قائلا : لو تذكرت عشرة أسماء أو عشرين لكان في ذلك إنجاز بارز أحققه للمرة الأولى. وتوقف بيل عن اختباري، كما توقف عن استعراض معلوماته وعن الأسماء التي يحفظها، والتي يبدو أنه لا نهاية لها. وكنت أعزي نفسي طوال الوقت بأن أتطلع إلى الزهور والنباتات الفاتنة، وأدعو ذاكرتي التي أنهكتها عبر امتداد سنوات عمرى بما لا أكف عن تحصيله أو التهامه من ألوان المعرفة، أقول دعوت ذاكرتي لأن تعينني وتتذكر كل هذه الأسماء، لا لأنها أسماء، وإنما لأنها الوسيلة الممكنة لاستحضار البهجة الاستثنائية لهذه المشاهد التي أتمتع بها. ومضينا في صمت بين الأشجار والزهور، ونحن لا نبتعد عن شاطئ بركة صناعية كبيرة، وتركت لتداعياتي العنان، مسترجعا كلمات الأغنية العربية الشهيرة التي تقول : ( شوف الزهور واتعلم، بين الحبايب تعرف تتكلم). وقلت لنفسي إن معناها صحيح وعميق، فالكثير من أحاديث الربيع عن الطبيعة، والكثير من أحاديث الطبيعة يدور حول الزهور والنباتات والمعرفة بالزهور والنباتات هي جانب من حياة كل أوروبي وأمريكي، يبدأها منذ سنوات الطفولة، حيث يمضى مع أسرته أو مع أساتذته بين الحدائق أو الغابات، ويتعلم منذ البداية كيفية التمتع بمعرفة أسرار الطبيعة من حوله في كل أوجهها وتنوعاتها، ولذلك تظل علاقته بالطبيعة وثيقة طوال حياته، يعود إليها دائما ليجدد نشاطه ويجدد معرفته بأسرارها وصفاتها وأسمائها طوال الوقت. بعد ذلك بأسبوعين تقريبا دعاني الصديق عبد الحميد صبرة، وهو واحد من أعظم علماء العالم في مجال تاريخ العلوم، وهو استاذ تاريخ العلوم في جامعة هارفارد التي يعمل بها من سنوات عديدة، أقول دعاني الصديق العزيز إلى منزله في بلدة لكسنجتون القريبة من كيمبردج، وكان أول ما فعله أن دخل بي مباشرة إلى حديقة المنزل قبل دخول المنزل، ومضى يشرح لى زهور ونباتات وأشجار حديقته التي يشرف على رعايتها بنفسه، ويفخر بأنه استنبت هذا المكان، وأنه جلب هذه الشجرة التي اصبحت ضخمة، والتي اصبحت تظللنا وقت الغداء. وبالطبع، كانت خيبتي كبيرة، لأنني لم أتذكر أكثر الأسماء التي تعلمتها من بييل جرانارا وكانت أسماء عبد الحميد صبرة مختلفة وظللت استمع إلى شرح هذا العجوز الشاب الذي جاوز الخامسة والسبعين ويتمتع بحيوية شاب في الثلاثين بسبب حبة للطبيعة. ولم ينقذني منه سوى زوجته نانسي التي لاتزال محتفظة بنضارتها في شيخوختها، كأنها زهرة أخرى من أزهار حديقتهم، وعندما قلت لها ذلك، توهجت وجنتاها وأضاءت عيناها ابتسامة جميلة في لون أزهار الفوشيا. وقادتنا الزوجة إلى المنزل لنحتسي الشاي مع المفن الإنجليزي English Muffen الشهير، حسب تقاليد الواسب W.A.S.P من أبناء نيو إنجلند الأصلاء. وبعد الشاي، خرجنا بالسيارة إلى مدينة صغيرة قريبة من لكسنجتون، حيث ذهبنا إلى الجسر الذي شهد أول معركة دارت بين الوطنين الأمريكيين والجيش البريطاني المحتل آنذاك، وكانت هذه المعركة بداية حرب الاستقلال الطويلة التي انتهت بدحر إنجلترا، وخروجها من أمريكا التي أصبحت دولة مستقلة، تمضى في طريقها الواعد صوب المستقبل، وتوقفنا عند اللافتات التي تشرح الأحداث التاريخية، ومضى صبرة يقرأ الأسطر بصوت درامي مرتفع، بينما انشغلت عيناي بتأمل التماثيل التذكارية واسترجاع بدايات الاستقلال الأمريكي في علاقته بالتاريخ الأمريكي عموما. وكتمت السؤال عن الهنود الحمر، وعن ماذا فعل بهم المستوطنون الأمريكيون أولا، وجيش الاستقلال الأمريكي ثانيا. وقد عوضتني زوجة صبرة عن عدم السؤال، بأن قادتنا في جولة في السهول الخضراء الممتزجة بالغابات المحيطة بالمكان، ومضينا وراءها، أنا وصبرة وابنهما الصغير بيتر، ولكنها أخذت بيدي لأكون إلى جوارها، ومضت تقول لي كأنني ابنها بيتر في صغره، هذه الشجرة اسمها كذا، وعمرها أكثر من مئتي عام، وهذا التنوع في ألوان السهل الممتد بسبب تموج كثافة النباتات المتعددة الألوان، وهذا السهل يتميز بكثرة الزهور الفلانية، ومضت هي الأخرى في تعداد الأسماء، وذاكرتي الواهنة تحاول التسجيل، كأنها تتعلم للمرة الأولى مفردات لغة الزهور. واعترف أن هذه التجربة جعلتني أعيد النظر في علاقة أدبنا العربي بالطبيعة. هناك وصف للطبيعة بالطبع. ولكن ليس بنية الاستغراق أو الرغبة في الاستكشاف أو تأمل التفاصيل التي تصنع رحم الوجود أو أقداس المكان. ولم أعجب لأن محمد حسين هيكل دعا إلى أدب قومي، ودعا أدباء مصر إلى الاهتمام بنيلهم، وإلى تصوير الطبيعة حولهم، وكانت دعوته هذه علامة باكرة على نوع المعرفة التي ظلت كما هي. لم تتغير جذريا، أعني المعرفة بلغة الزهور.