هزمت الولايات المتحدة وانتصر العراق. فقد اضطرت واشنطن اخيرا الى سحب مشروعها الذي اطلقت عليه «العقوبات الذكية» بعد ان تجمعت ضده معارضة قوية تتقدمها روسيا. فأين تسير الامور بعد ذلك؟ باديء ذي بدء يجب ان يوضع الانتصار العراقي ضد واشنطن في موضعه الصحيح لكي نتفادى خداع البصر. فهو ليس اختراقا حاسما لنظام العقوبات المطبق على العراق الشقيق لمدى 11 سنة. فالعقوبات باقية وسوف تظل كذلك لأمد غير معلوم تماما. لكن يجب مع ذلك ألا نقلل من شأن الانجاز العراقي في معركة مجلس الامن الدولي الاخيرة. فالهزيمة التي لحقت بمشروع «العقوبات الذكية» تعتبر انتصارا دبلوماسيا ومعنويا للعراق سوف يكون له قطعا تأثيره على المدى البعيد في نسف نظام العقوبات نهائيا. ولادراك القيمة المضاعفة لهذا الانتصار الدبلوماسي بجب ان نأخذ في الاعتبار ان اندحار المشروع الامريكي يمثل لطمة قوية لدبلوماسية ادارة بوش. فما كاد وزير الخارجية كولين باول يتسلم مهام منصبه في الادارة الجديدة حتى جعل من المسألة العراقية اولوية عليا في أجندته.. ومن اجل ذلك قاد حملة شرق اوسطية وعالمية تهدف الى ضمان بقاء العقوبات ضد العراق سارية الى الابد مع تشديدها في الوقت نفسه. وباضطرار واشنطن هذا الاسبوع الى سحب مشروعها الشرير يكون قد حاق بإدارة بوش فشل مخجل لا يقل عن فضيحة اسقاط عضوية الولايات المتحدة في اللجنة الدولية لحقوق الانسان. لقد كان مشروع «العقوبات الذكية» في الظاهر يهدف الى تخفيف اجراءات تدفق السلع المدنية الى العراق مع التشديد على حرمانه من السلع العسكرية وسلع ذات قابلية للاستخدامين المدني والعسكري. اما في الباطن فقد كانت واشنطن ترمي من خلال تطبيق المشروع الى احكام سيطرة الامم المتحدة على اموال صادرات النفط العراقي بما في ذلك منع بغداد من مواصلة عملية بيع نفط اضافي خارج اطار اشراف الامم المتحدة بما يحقق للسلطات العراقية دخلا نقديا تتصرف فيه كيف تشاء. وعلى الفور ووجه المشروع الامريكي منذ اعلانه رسميا بردود فعل قوية كان من المفروض ان يكون خبراء الاستراتيجية الامريكية قادرين على التنبؤ بها سلفا فالمشروع اذ يعكس رؤية الولايات المتحدة للعراق والعالم فإنه وياللعجب، يغفل تماما مبدأ تضارب المصالح الحيوية الذي يحكم العلاقات الدولية. فإذا كانت الرؤية الامريكية للعراق تنطلق اولا من اعتبارات امنية تتعلق بحماية اسرائيل في اطار الصراع العربي الصهيوني وثانيا بترويج تجارة السلاح الامريكية عن طريق ترهيب دول اقليمية من عراق متحرر من اسس العقوبات فإن لآخرين ايضا مصالحهم. على صعيد القوى الدولية هناك روسيا وفرنسا والصين التي تطمع كل منها في استئناف مبادلاتها التجارية الحيوية مع عراق غني يملك حرية تصرفه في موارده المالية. وعلى الصعيد الاقليمي هناك ثلاث دول مجاورة ـ سوريا والاردن وتركيا ـ تجني فوائد ملموسة من صادرات النفط العراقي خارج اطار اجراءات الامم المتحدة. واذا كان رجال الادارة الامريكية لم تخطر على بالهم هذه المصالح الحيوية وتضاربها الحتمي مع المصالح الامريكية فإن العقوبات الذكية تنضح بغباء دبلوماسي. والآن فإن سقوط المشروع الامريكي وضع حدا لمرحلة مفسحا المجال لمعركة دولية مستقبلية حول مصير العقوبات المفروضة على العراق. وأيا تكون طبيعة المرحلة المقبلة فإنه لن يكون هناك رجوع للوراء. على العكس، سوف تشجع الهزيمة التي تلقتها الولايات المتحدة القوى الدولية والاقليمية الاخرى على المزيد من التصميم من اجل نسف نظام العقوبات نهائيا.