في مطلع هذا الاسبوع بلندن التقى اخوة جامعيون ومفكرون وسياسيون من تونس يجمعهم حب وطنهم العربي المسلم وأنشأوا مركزا للديمقراطية والتنمية، يبدأ ربما تونسيا ولعله يمد نشاطه الأكاديمي والفكري إلى مجتمعات عربية أخرى. ذلك ان اشكالية العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والتنمية تحتاج بالفعل إلى تضافر جهود النخب المفكرة لتحليلها من أجل تجسيد مقولة التقدم السريع والواعي والذكي والمسئول إلى هوية أصيلة تحمي ذلك التقدم من الانفلات والانسلاخ عن الذات الحضارية. وقد تعلقت همة المؤسسين بالاجابة على أسئلة قديمة كان قد طرحها العلامة عبدالرحمن بن خلدون منذ سبعة قرون وأعاد طرحها المصلحون المسلمون في القرن التاسع عشر، ومن أبرزهم السيد جمال الدين الأفغاني وصديقه الشيخ محمد عبده وكذلك رفاعة الطهطاوي ومن تونس الوزير خير الدين صاحب كتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» والمؤرخ الكبير الوزير ابن أبي الضياف، ثم أعاد طرح نفس الأسئلة الحضارية الكبرى صاحب كتاب «طبائع الاستبداد» عبدالرحمن الكواكبي منذ قرن كامل ... ولم تجد أسئلة هؤلاء العلماء المصلحين الأفذاذ جوابا عربيا وإسلاميا شافيا إلى اليوم، ولو أجاب العرب والمسلمون عليها في تاريخهم المعاصر لما ظللنا نراوح مكاننا في حين تقدمت الأمم الأخرى ولما تصدعت قلاعنا الحضارية وزلزلت أرض القيم والمبادئ تحت أقدامنا. ويكفي أن نشير إلى ان العرب واليابانيين بدأوا عهد نهضتهم تقريبا في نفس المرحلة ـ منتصف القرن التاسع عشر ـ ولكن الفرق شاسع بين ما ألنا إليه وما آلوا إليه. فاليابان حضارة أصيلة دخلت العصر الراهن بقوة دون التفريط في مخزونها وتراثها، في حين انقطعنا نحن عن جذورنا دون أن نربح ودون أن نجني ثمرة الحداثة. إنها قضية عربية وإسلامية، حتى ولو بدأ بعض التونسيين في هذا المركز بدراستها على الصعيد الفكري المنهجي وعلى الصعيد السياسي والثقافي والاقتصادي والتكنولوجي عموما. فهل يمكن أن نقر دعائم تنمية مستديمة متكاملة دون تفعيل آلية المشاركة الواسعة بالرأي والرأي المخالف؟ وفي أي قنوات حوارية مؤسسية نضع هذا الاختلاف حتى لا يتحول إلى فوضى وإلى صراع من أجل السلطة والمواقع المؤثرة؟ وما هو مفهوم الديمقراطية في خصوصياتنا العربية والإسلامية؟ وكيف نوفق بين حفاظنا على قيمنا وبين اعتناق قيم كونية عامة تفرضها علينا العولمة باصرار وقوة كل يوم؟ ما هو الرابط بين الهوية والشرعية؟ وهل يمكن تحقيق تقدم مادي دون ارتفاع ذهني هو من مشمولات البرامج التربوية والحرية الفكرية والابداع الثقافي ولا دخل له في أرقام المعاملات ورؤوس الأموال والناتج القومي الخام. وإني أحسب والله أعلم بأن أحد أسباب التخلف العربي الاسلامي يكمن في عجز النخبة عن وضع أجوبة شافية لتلك الأسئلة الجوهرية المطروحة منذ زمن بعيد على ضمائرنا وظلت بدون أجوبة. وسبب هذا العجز عن الاجوبة هو بالطبع انقطاع العلاقة بين صاحب الأمر وصاحب الفكر. وقد كانت في عصور العرب والاسلام الذهبية علاقة عضوية قائمة على الشورى حتى ان خلفاءنا وملوكنا كانوا ينعتون بانتمائهم إلى هذا الفكر أو ذاك ... لا العكس. أما اليوم وفي أعقاب عصر التهافت فالمفكرون هم الذين ينعتون بالانتساب إلى أصحاب السلطة. قديما كان يقال الملك الفلاني حنبلي والخليفة العلاني رشدي أو غزالي وأصبحنا نقول عن علمائنا هذا ناصري وذلك بعثي والثالث ماركسي وفي ذلك عين الغبن وعين الهبوط. أنا أعتقد ان مركز الديمقراطية والتنمية بفضل جدية المحاور التي سيطرحها وتميز مؤسسيه سوف يحاول الاجابة عن أسئلة الحضارة المعاصرة في عالمنا العربي الاسلامي، وبالطبع لا يمكن أن نفصل التفكير الأكاديمي الرصين عن المواقف السياسية التي يمليها الظرف الراهن. فنحن ندعو إلى مجتمعات مدنية يتداول فيها على كل مدارج السلطة أولئك الذين تختارهم شعوبهم في كنف انظمة الحكم الشرعية، ملكية كانت أم سلطانية أم أميرية أم جمهورية، حتى تحل قضية الشرعية بصورة مؤسسية متفق عليها لا تترك المجال مفتوحا أمام الأمزجة والتقلبات والحسابات الشخصية الضيقة. ومن البديهي كذلك أن تستقر المجتمعات المدنية العربية على قواعد احترام عميق لحقوق الإنسان تكفله وتضمنه وتسهر عليه بنود دستور عادل وغير قابل للتلاعب به حسب ظروف الساعة ومتطلبات المرحلة. فالله سبحانه في القرآن أمر أن تكتب عقود دين يستدينه إنسان من إنسان، فما بالك بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الراعي والرعية وهي علاقة شراكة واتفاق وبيعة لا علاقة استعباد واستبداد واستبعاد؟ ولا يمكن تصور تنمية بدون حريات وكرامة المواطن. فهو الغاية من التنسيق ووسيلتها، لا تستقيم إلا بمشاركته الطوعية الارادية التلقائية ولا يمكن أن تتحقق مشاركته تلك إلا إذا كان مصان الكرامة محفوظ العرض مرتاح الضمير آمن القلب على حياته ورزقه وحقوقه. وإلا فسنقع في التنمية القسرية التي بلغ بها هتلر أعلى معدلات النمو في ألمانيا النازية عام 1940 وبلغ بها ستالين أعلى درجات التصنيع في روسيا عام 1940 وبلغ بها موسوليني في ايطاليا أقصى مراتب البنية التحتية كذلك عام 1940. وانهارت هذه الأنماط الثلاثة شر انهيار في الحرب العالمية الثانية وما تلاها من حرب باردة ومن صراعات شرسة بين الدكتاتوريات العاتية الدموية وبين رياح الحريات القادمة من مكامن الفكر الإنساني في عصور النهضة الثقافية. أما إذا اختار العرب ـ حكاما ومحكومين وسلطة ومعارضين ـ سبيل الظلال الحضارية وآثروا تصادم الأفكار عوضا عن تحاور الأفكار فان العاقبة لن تكون خيرا في عالم يشهد ثورة الاتصالات والمعلومات، تسري فيه الأفكار والأخبار وتنتقل في سرعة النيازك بفضل وسائل الميديا الحديثة والبث الفضائي والالكتروني. لقد فوجئت بعض النخب الحاكمة بهبوب عواصف الاتصال وهي لا تزال تجتر أحلام الخمسينيات والستينيات. أيقظتها من سبات الماضي أجراس عصر جديد حاسم جاء يعلن عن يقظة الضمائر واستعادة الوعي، عصر عولمي يجب أن نغتنم منه انهيار الحدود المعرفية وهشاشة الأسوار العالية ونتواصل على صعيد ديمقراطية الفكر والتسامح بازاء الاختلاف وتطبيق الآية الكريمة (ولقد كرمنا بني آدم) بالاعتراف بإنسانيته وحرياته المشروعة وضمان مشاركته الفعالة المسئولة في بناء التنمية وانجاز المستقبل. إن المركز التونسي للديمقراطية والتنمية مدعو لتدارس هذه القضايا، وهو سيوفق بإذن الله بعد أن قرر اعادة اصدار مجلة الفكر التي أسسها الصديق الاستاذ محمد مزالي رئيس حكومة تونس الأسبق عام 1955 وتوقفت بعد منفاه عام 1986. فهذه المجلة الرائدة التي كان لي شرف الكتابة فيها شخصيا منذ الستينيات سوف تعود في ثوبها الجديد والالكتروني لأداء رسالة الربط بين الديمقراطية والتنمية، بعد أن عرفت في الخمسينيات بكفاح المغرب العربي وفلسطين من أجل الاستقلال والسيادة وأثبتت للعالم عروبة واسلام الشعوب المغاربية. إنني أحيي كل الزملاء الذين اجتمعوا يوم 1 يوليو 2001 بلندن وأعلنوا عن انشاء مركز الديمقراطية والتنمية ومن بينهم الأستاذ الدكتور محمد الطالبي الذي يتمتع بشباب الفكر رغم الثمانين أطال الله عمره والأستاذ محمد مزالي الذي نأمل عودته من منفاه القاسي إلى وطنه مكرما معززا بما يستحقه بعد نصف قرن من العمل الثقافي والرياضي على مستوى العالم أجمع، وكذلك الدكتور محمد الهاشمي الحامدي صاحب قناة المستقلة الفضائية وصحيفة المستقلة وهو من أخلص أبناء تونس وثلة من الشباب الجامعي المتميز من حوله تلاحمت مع الجيل الوطني الذي سبقها من أجل خدمة قيم ومبادئ سلمية وجليلة وعادلة. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. ـ أستاذ الاعلام في جامعة قطر