الموروث الديني هو الذي حفظ أعراف الشعوب وصان تقاليدها وأنماط حياتها من الذبول والشحوب الى حد التفكك ثم الاندثار.. طبيعية، بل ومتوقعة تلك التساؤلات التي طرحها الناس على أنفسهم مع مطلع هذا القرن الحادي والعشرين.. في صدر هذه التساؤلات مثلا:مع هذا التقدم المذهل هذه التحولات الجذرية الى عصر الحداثة أو عصر ما بعد الصناعة في الدول المتقدمة على الأقل هل تشهد الانسانية مزيدا من النزعة التي تغلب جانب المادة على الجانب الروحي في حياة البشر؟ مع موجة العولمة الراهنة التي جاءت بها ثورة الاتصالات وعصر الفضائيات.. هل تتحقق النبوءة التي تقول بأن العولمة هي الوجه الآخر لعملة اسمها ببساطة الأمركة، بمعنى هيمنة الثقافة وأساليب الحياة الأمريكية على جوانب الحياة وسلوكيات البشر فوق كرة الأرض، يستوى في ذلك أهل الشمال وأهل الجنوب؟ مثل هذه الأسئلة باتت تؤرق بال الساسة والمحللين والمفكرين وربما البسطاء من الناس ممن يهمهم أقدار البشر ومصائرهم. ومن ثم كان طبيعيا أن يرتاد العلماء الاختصاصيون - ولا سيما في مجالات علوم السياسة والسلوكيات والاجتماع - آفاق الاجابة، أو محاولة الاجابة على تلك التساؤلات. دراسة مَسْحية وفي هذا المضمار.. تطالعنا دراسة مسحية استقصائية أجراها على مدى عقدين من الزمن استاذان في واحدة من كبرى الجامعات الأمريكية هي جامعة مستشيجان ونشرتها في فبراير عام 2000 المجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية تحت العنوان التالي: التحديث والتغير الثقافي واستمرار القيم التقليدية. أما صاحبا الدراسة فهما البروفيسور رونالد انغهارت أستاذ العلوم السياسية والبروفيسور واين بيكر، أستاذ العلوم السلوكية. موجات للبحث ولأن الدراسة توخت هدفا طموحا من ناحية التغطية والشمول العلمي حيث قصدت الى مسح الواقع الاجتماعي في 65 من أقطار العالم فقد استغرق انجازها 4 موجات من دورات البحث الميداني بدأت أولها في الفترة 1981 - 1982 وانتهت - الثالثة - قبل الأخيرة في الفترة 1995 - 1998، فيما يزمع انجاز الموجة البحثية الرابعة والأخيرة في عام 2001 الحالي بعد أن استهلها الباحثان في عام 1999. هكذا كادت الصورة تصل الى اكتمال بعد أن أصبحت الدراسة تمثل 80 في المائة من سكان العالم وتضم مجتمعات من فقراء الجنوب حيث لا يزيد متوسط الناتج القومي الاجمالي على 300 دولار سنويا، الى مجتمعات من موسري الشمال حيث يصل متوسط الناتج القومي الاجمالي - باسم الله ما شاء الله - الى 30 ألف دولار سنويا، دع عنك الاختلاف البارز - الصارخ في بعض الأحيان - بين نوعية النظم السياسية السائدة في الأقطار المشمولة بالدراسة المذكورة، بين نظم استقرت فيها الديمقراطية ودول ما زالت محكومة بنظم شديدة المركزية أو ممعنة في الأساليب السلطوية، ولم يكن اهتمام الدراسة منصبا في هذا الخصوص على جانب التقييم أو التصنيف بقدر ما كان موجها بالدرجة الأولى الى جانب التحليل والتوصيف. ورغم أن الدراسة بعد نشر موجاتها الثلاث الأولى أصبحت مرجعا أساسيا لجمهرة من المحللين والباحثين المهتمين بظاهرة العولمة وما جلبته - أو ما قد تجلبه - من تحولات في منظومات القيم وأنماط السلوك، ورغم أن الدراسة تم تداولها حتى الآن في 12 لغة عالمية، إلا أن بالوسع تلخيص محور هذه الدراسة المهمة في سؤال شديد التركيز وربما التبسيط يقول: هل يكون سيد المستقبل اسمه رونالد ماك؟ والاشارة هنا الى البطل الخيالي الذي اخترعته مؤسسة والت ديزني رمزا لمطاعم الوجبات السريعة الشهيرة التي يزداد انتشارها حاليا في طول العالم وعرضه. وفي إطار هذه الاشارة نبغ مصطلح آخر هو: ماك وورلد- عالم ماك بمعنى عالم الأمركة الذي يضم رموزا وعادات وسلوكيات وأفكارا ترتبط بارتداء الجينز وسرعة مضغ السندويتشات وتعاطي - لا نقول سماع ولا نقول بالقطع تذوق - موسيقى البوب المرتفعة الصخب والمكررة الايقاع ناهيك عن تكريس الفردية ونظرة اللامبالاة الى التراث التليد. اختلاف الفقراء والأغنياء الدراسة التي نشير اليها في هذه السطور تبدأ بتأكيد وجود فرق واضح للغاية بين نظرتين تسودان عالم اليوم وهما:نظرة الفقراء في مجتمعات الجنوب. ونظرة الأغنياء في مجتمعات الشمال. وتتقاطع هاتان النظرتان عبر ساحات ومجالات شتى ما بين مجال السياسة الى المجتمع وما بين قيم الأخلاق الى معتقدات الدين.. بين المعايير المادية والمعايير اللامادية أو القيم والأعراف المعنوية إن شئت التعبير. في هذا الاطار يفسر العالمان واضعا الدراسة أهم المعطيات والبيانات التي استقياها من واقع موجات البحث المسمى.. على نحو نوجزه كما يلي: إن ثمة اقترانا بين استقرار المجتمع، وخاصة في أقاليم الجنوب التي لم تتحول تماما الى الممارسة الديمقراطية المعروفة في الغرب وبين التمسك بقيم موروثة منها مثلا استمرار سيادة الرجل على مقاليد المجتمع، ومنها مثلا رفض اباحة الاجهاض يعتبره أهل الغرب من علامات التقدم! ورفض إباحة الطلاق بمعنى اتخاذ الاباحة هنا رخصة سائغة للعبث بقدسية مؤسسة الزواج وهو عبث تمليه الأهواء قبل أن تقتضيه الضرورات. من جانب آخر ثمة أجيال جديدة بدأت تشب عن الطوق في شمال العالم وجنوبه وإن كان دورها ملحوظا بل وبارزا في مجتمع الشمال المتقدم وهي لا تركز فقط على الجوانب المادية من تحولات العولمة أو تطورات ما بعد الصناعة أو ما بعد الحداثة.. إن هذه الأجيال تركز اهتمامها على قضايا مستجدة ومهمة ولا تحقق بالضرورة مكاسب مادية.. من همومها مثلا قضية حماية البيئة وترشيد استخدام الموارد الطبيعية وايقاف هذا الاستغلال غير الرشيد وغير المسئول الى حد السرف والإهلاك لامكانات كوكب الأرض الذي نعيش فيه. ومن هموم هذه الأجيال الجديدة أيضا الاهتمام بحقوق المرأة بوصفها شريكة الرجل في دعم وتعزيز المجتمع من جوانبها المادية والمعنوية. ومن همومها كذلك التركيز على قضايا المشاركة في صنع القرار السياسي وما يتبع ذلك من الدعوة الى الأخذ بأساليب المكاشفة والشفافية والمصارحة واعتبار الحياة السياسية والاقتصادية في مجتمعاتها أمرا يهم كل من هو قادر على المشاركة في دفع عجلتها الى الأمام. خابت توقعات ماركس مع ذلك تدحض الدراسة المسحية الأمريكية - وهي استقصاء ميداني كما أسلفنا - ما ذهبت اليه تنبؤات علماء ومفكرين من القرن التاسع عشر بشأن مراحل تطور المجتمع البشري. مثلا تنبأ مفكر في حجم كارل ماركس وتابعه الى حد ما مفكر آخر هو نيتشه بأن المجتمع البشري سوف يشهد مع مزيد من التطور - وصولا الى القرن العشرين ومن بعده القرن الحادي والعشرين - امتدادا لنفوذ الطبقة العاملة الصناعية - البروليتاريا وانحسارا في الوقت ذاته لدور الدين وتأثيره في المجتمع الحديث. وزاد أشياع كل من ماركس ونيتشه فتنبأوا بأن تتحلى المجتمعات غير الغربية في آسيا وأفريقيا عن منظومات القيم الموروثة التي تشكل وتنظم حياتها من أجل أن تستوعب هذه المجتمعات انجازات الغرب الصناعي المتقدم في مجالات التكنولوجيا والعلوم التطبيقية. ما الذي حدث بالنسبة لهذه التنبؤات التي كانت توصف بأنها علمية في يوم من الأيام؟ الذي حدث أن هذه التنبؤات لم تحدث ولم تتحقق.. ورغم أن مجتمعات في آسيا وأفريقيا منذ القرن التاسع عشر وعلى مدار القرن العشرين اتخذت خطواتها على درب التحديث إلا أنها لم تتحول الى مجتمعات بروليتاريا من ناحية ولا تخلت عن أديانها وعقائدها ومنظومات قيمها من ناحية أخرى ويمكن من ناحيتنا أن نسوق أمثلة شتى ما بين تجربة التحديث التي شهدتها مصر العربية في عصر محمد علي الى تجربة التحديث التي شارفت عصر ما بعد الصناعة في اليابان وعدد من أقطار جنوبي شرق آسيا. صحيح أن التحول الى التصنيع والإمعان في الأخذ بأساليب العلم والتكنولوجيا في أوروبا ومن بعدها أمريكا.. أدى الى المزيد من سيطرة الانسان على مقدرات الطبيعة والى المزيد من سطوته على جوانب البيئة وتحولاتها.. ومن ثم الى ذبول الجوانب الاعتقادية والروحية لحساب الاهتمام بالظواهر والحسابات المادية إلا أن الصحيح أيضا هو أن مرحلة ما بعد الصناعة التي تجتازها حاليا مجتمعات غنية في شمال العالم أسلمت الى اتجاه مخالف تماما للاتجاه المادي: إن مجرد الاهتمام بحماية البيئة معناه الادراك الأعمق والأرشد بأن ليس بالخبز وحده يحيا الانسان على نحو ما هو مأثور عن السيد المسيح عليه السلام. ومعناه أن جوانب الكسب المادي يمكن أن تلحق - وقد ألحقت بالفعل - أفدح الضرر بالحياة فوق كوكب الأرض. ثم تخلٍ الى حد من الحدود عن الامعان أو الاغراق في حمأة المادية - لحساب جوانب غير مادية كما قد نسميها - يتجلى ذلك مثلا - وكما أظهرت الدراسة الأمريكية - في أن قطاع الخدمات أصبح هو الأولى بالرعاية والاهتمام في الاقتصاد القومي - في المجتمعات المتقدمة - من اقتصاد الانتاج المادي الملموس. ويتجلى ذلك أيضا في أن اقتصاديات الفحم والحديد والصلب والكيماويات تكاد تخلي الطريق لصالح اقتصاديات الانفورماتيك - اقتصاديات المعلومات والحواسيب والبرمجيات - وكلها أمور ومحاور غير مادية بالدرجة الأولى ومنها ما هو أقرب الى ثقافة المجتمعات ووجدان البشر وروح الانسان. ويتجلى ذلك أيضا في واقع عولمة الاتصال أو بالأدق كوكبة سجل التواصل بين أفراد النوع الانساني عبر مساحات الأقطار وأجواز الفضاء.. لقد جاء عصر الصناعة بتكريس روح الفردية الانعزالية.. وليس صدفة أن ترصد الدراسة كيف أن عصر ما بعد الصناعة بالبشر في الشمال بروح التواصل حيث يصبح الناس - كما يقول صاحبا الدراسة - أكثر انشغالا بـ... الناس أيضا.. وهو أمر يكاد يطمئن أهل الجنوب الذين قد يكون لديهم وساوس أو مخاوف من أن يقضي التحول نحو الحداثة على سلم ومنظومات القيم التي تشكل الأمن النفساني في حياتهم. الدين في حياة الناس ثم تعال الى الدين ودوره في حياة الناس.. لقد ألمحنا الى ما سبق اليه ماركس في منتصف القرن التاسع عشر من نبوءة حول انحسار أو انسحاب الدين من حياة المجتمع. لم تفشل هذه النبوءة وحسب - بل ثبت عكسها على نحو ما أوضحته الدراسة التي نحيل اليها. يكفي أن يأتي في أواخر القرن العشرين - سنة 1996 بالذات عالم أمريكي أصبح اسمه شهيرا ومتداولا وهو البروفيسور صمويل هنتنجتون من جامعة هارفارد الأمريكية ليؤكد لنا أن الدين ما زال عنصرا أو محورا أساسيا في تشكيل ثقافة المجتمعات البشرية يستوى في ذلك أهل التقدم واليسار في الشمال أو أهل التخلف أو النمو ورقة الحال في الجنوب. وفي هذا الاطار يعمد الأستاذ هنتنجتون في كتابه تصادم الحضارات الى تقسيم العالم الى 8 مناطق ثقافية كما يسميها وهو يبسط معالمها على النحو التالي: هذه المناطق هي: المسيحية الغربية والارثوذكسية شرقي أوروبا وجنوبها وجنوبي المتوسط والاسلام والكونفوشية واليابانية والهندوسية والافريقية وأمريكا اللاتينية. ويؤكد صمويل هنتنجتون أن هذه المناطق الثقافية الثمان قد تشكلت بفضل الاعراف والموروث الديني الذي لا يزال قويا وفاعلا حتى اليوم وبرغم ما تؤثر به - في رأيه - قوى التحديث. ونحسب أن هذا الموروث الديني هو الذي حفظ أعراف الشعوب وصان تقاليدها وأنماط حياتها من الذبول والشحوب الى حد التفكك ثم الاندثار. بل أن الدراسة الاستقصائية التي نحن بصددها تقول لا يغرّنك مثلا أن مطاعم ماك إياها باتت منتشرة على هذا النحو الواسع في كل أنحاء العالم.. إن لكل منها دلالته ومعناه الثقافي المتميز حسب الوسط - النسق الاجتماعي - القومي الذي يتواجد فيه ولكل منها وظائفه ومعانيه الاجتماعية التي تختلف من مجتمع الى آخر ومن منطقة ثقافية الى أخرى. إن تناول الطعام في ماك الياباني مثلا تجربة اجتماعية مختلفة على نحو بيّن عن تناول الطعام في نفس السلسلة من المطاعم في أمريكا أو أوروبا أو الصين. ها هم الفرنسيون مثلا يضيفون مشروباتهم الوطنية المفضلة الى وجبة ماك التقليدية وها هم الهنود مثلا يحذفون من السندويتشات إدام اللحم البقري لصالح وجبات نباتية أخرى، وقد نضيف نحن أحدث تجارب المصريين من ادخال فلافل ماك بدورها الى عالم ماك تعبيرا عن نسق ثقافي متميز وقد خلص الباحثان من هذا كله الى: أن التغيرات التي تطرأ على معدلات الناتج القومي الاجمالي وعلى الهيكل المهني في مجتمع ما يمكن أن تسفر عن مؤثرات فعالة حقا تلحق بأساليب الحياة في ذلك المجتمع، ولكنها لن تلغي المؤثرات الثقافية ولن تنسخ الموروث السلوكي والمعرفي والروحي الذي يتناهى الى أهل هذا المجتمع عبر الأجيال. فراغ روحي وعقائدي وليس صدفة أن النظرية الشيوعية أحدثت تغيرات صاعقة في مجتمعات شتى وخاصة في شرقي أوروبا.. ولكن بعد غروب شمس هذه النظرية وزوال الاتحاد السوفييتي.. شعر الناس بغربة وجدانية وفراغ روحي ومن ثم رصدت الدراسة من خلال البيانات التي استقتها من المجتمعات السبعة الشيوعية سابقا في شرق أوروبا، ارتفاع معدلات التردد على دور العبادة. ومن الجانب الآخر، وفي بلد مثل أمريكا، لم تلحظ الدراسة مثل هذا الارتفاع في زيارة دور العبادة، ولكنها رصدت عدم زوال بل واستمرار القيم الأخلاقية الموروثة من التراث الديني بل ورصدت صعودا في اتجاهات وصفتها بأنها أقرب الى القيم الروحية حيث لا يزال الناس بحاجة الى أن يطرحوا أسئلة من قبيل: من نحن.. وما هي حكمة خلقنا وما هو معنى حياتنا؟ وبديهي أن هذه الأسئلة هي ذاتها التي سبق الى طرحها شاعر عربي عاش - بالمصادفة - في أمريكا وهو إيليا أبو ماضي حين تساءل قائلا: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت وسأبقى سائرا.. إنْ شِئتُ أم أبيت