عادات كثيرة جميلة وحميمة، صار الحديث عنها مليء بالشجن وتحولت تلقائياً الى فلكلور او شيء من الماضي، ومما يؤسف له ان عمر هذه العادات ليس بالغابر او الموغل في القدم او عفى عليها الزمن كما يقولون حتى يلفظها اصحابها هكذا ببساطة وينسونها. ولكن ما القول في مجتمع يتطور بأسرع من سرعة الضوء والصوت؟ مشكلة المشاكل اننا صرنا نعيش مأزق أجيال متفاوتة التفكير والسلوك، أجيال تتأرجح بين الأعوام وكأنها تتأرجح بين العصور، الفارق الزمني بين الجيل والذي يليه لا يتجاوز العشر سنوات، ومعروف علمياً ان الفارق لابد وان يتجاوز الثلاثين عاماً، وهنا نسأل: لماذا؟ يقول البعض اننا مجتمع يحرق المراحل كي يصل ويعوض ما فاته، وهنا لا نعترض، بل نجد ان ذلك ربما كان ضرورياً في مرحلة ما من مراحل البناء ولكننا نسأل ثانية: وبعد ان حرقنا المراحل، هل وصلنا؟ وهل وصلنا بأمان أو بأقل قدر من الخسائر؟ نعم وصلنا ولله الحمد، اذا كان الوصول يعني تحقيق نصف المعادلة حيث المجتمع الحديث، والمشاريع الضخمة وكرنفالات التسوق، ومعدلات الدخول الفردية العالمية، والانفتاح الاقتصادي، وكذلك دخول نادي العولمة من اوسع ابوابه! لكن ماذا عن طرف المعادلة الثاني؟ ان المعادلة الصعبة التي تحدث عنها الرئيس الايراني خاتمي هي ما تشغل بال الكثيرين اليوم، والبحث مازال مستمراً لايجاد العنصر البشري القادر على حلها، والمعادلة عبر عنها خاتمي في احد مؤلفاته بقوله: (ان امامنا مهمة صعبة للغاية كمجتمع عالمثالثي متخلف حقاً، وهي مواجهة ثلاثة تحديات في آن واحد: ان نردم الهوة السحيقة التي تفصلنا عن العالم المعاصر، وان نلحق بركب التحولات المتسارعة التي يعيشها العالم من نظريات واختراعات وعلوم، وان نحافظ على جذورنا وهويتنا الذاتية. التحدي الاخير ـ حسبما اعتقد ـ هو التحدي الأكبر في قلب المعادلة، وأمام جهود التنمية، ورجال التنمية، وتنظيرات التنمية، ولذلك قلنا ان الكثير من عاداتنا التي هي صلب هويتنا قد ذهبت مع رياح التغيير السريعة، واننا نتغير طبيعياً ولكن بعملية قيصرية، نواجه اثرها الكثير من المآزق والاختناقات والاختراقات ايضاً! انه حينما تعجز المرأة عن تدبير وحماية بيتها بحجة صراعها من أجل المساواة مع الرجل، وحين ينفصل أبناء المنزل الواحد عن بعضهم البعض، وحين يكون التعليم متخبطاً وغير قادر على تكريس تحضرنا وهويتنا، وحين تتفكك الاسر وتتزايد معدلات الطلاق، وتنمو صحاري الشجن والعزلة في نفوس الناس، وحين يموت الانسان قهراً واسى ونبذاً دون ان يعلم به أخوه او يلملم جاره شيئاً من جراحه، وحينما نستمر في اجترار مخلفات الحضارات الاخرى دون ان نتمكن من انتاج شيء لانفسنا، وحين تسحقنا جموع الغرباء والمهاجرين جاعلين منا شكلاً آخر لاسطورة الهنود الحمر، وحين يتمرد شبابنا وبناتنا على لغتهم وتقاليدهم قاذفين بأنفسهم سريعاً في لجة الثقافة الامريكية دون ان نتمكن من اقناعهم بجمال وقوة هويتهم، وحين... وحين.. عندها تكون المعادلة قد اصبحت معضلة وتناسل منها ملايين المعادلات!!