كانت خطة متناهية الدقة تتكون من خمسة أجزاء: اختطاف.. تعذيب.. قتل.. ترحيل عبر الحدود الدولية.. وأخيرا اذابة الجثة داخل خزان من الحامض.. (وفي رواية أخرى «بركة» وليس خزانا). هذا ما جرى قبل 36 سنة لزعيم معارض مغربي ينتمي إلى يسار الستينيات. الآن، والآن فقط يستيقظ ضمير ضابط استخباراتي مغربي متقاعد ليروي بالتفصيل المثير عملية اختطاف ومقتل المهدي بن بركة في مسلسل سردي ينشر في صحيفة «لوموند» الفرنسية بالتزامن مع صحيفة «لو جورنال» التي تصدر في المغرب. ورغم هذا السكوت الاسطوري تأتي قصة الضابط المتقاعد أحمد بخاري مبتورة.. فروايته محصورة تماما في الجانب المغربي من الدراما متجاهلا الدور الأجنبي. ومن حسن الحظ ان رواية بخاري ليست الرواية الوحيدة. فقد سبقتها قبل 11 عاما رواية لا تقل اثارة من صحفي بريطاني متخصص في الصحافة الاستقصائية. ووفقا لما رواه «رونالد بين» في كتاب أصدره عام 1990 بعنوان «الموساد: الجهاز الاسرائيلي الأشد سرية»، فإن الخطة التآمرية لاغتيال بن بركة كانت، كما جرى تنفيذها ميدانيا، ثلاثية الأضلاع. فبالاضافة إلى الاستخبارات المغربية ـ الطرف الرئيسي والأصلي ـ كانت هناك مشاركة من كل من الاستخبارات الاسرائيلية والشرطة السرية الفرنسية. ولا أدري لماذا أغفل الضابط المغربي المتقاعد هذين الطرفين الآخرين. الصحفي البريطاني رونالد بين متخصص في الشئون الاستخباراتية والتجسسية وشئون الارهاب الدولي ويكتب بصورة منتظمة لصحيفة «ديلي تلجراف». وابتداء فان القصة التي يرويها بشأن اغتيال بن بركة لا تختلف عن قصة الضابط المتقاعد بخاري فيما يتعلق بنقطة الانطلاق. فالروايتان تتفقان في ان الفكرة وما تبعها من خطة كان صاحبها وزير الداخلية في مغرب الستينيات الجنرال محمد أوفقير. ولكن ابتداء من هذه النقطة الأولية تختلف الروايتان في بعض التفاصيل المهمة بحيث ان رواية بخارى لا تتعرض اطلاقا لدور اسرائيلي أو دور فرنسي. فماذا قال الصحفي «بين»؟ في عام 1965 ـ العام الذي وقعت فيه حادثة الاغتيال ـ أجرى الجنرال أوفقير اتصالا مع رئيس «الموساد» الاسرائيلي آنذاك «مير أميت» مساعدة للتخلص من المهدي بن بركة. حتى ذلك الحين كان بن بركة يقيم في سويسرا يمارس معارضة نشطة. ولم يشأ رئيس الموساد أن يتورط جهازه في مؤامرة الاغتيال بصورة مباشرة فجرى الاتفاق بين رئيس الجهاز والجنرال أوفقير على ان الدور الاسرائيلي سوف يقتصر على استدراج بن بركة عبر الحدود إلى باريس.. ومن ثم ينسحب الموساد من العملية. وقد كان. هنا يأتي الدور الفرنسي. وما جرى بعد دخول بن بركة فرنسا. فقد جرى اعتقاله بواسطة ضابط من الشرطة السرية الفرنسية عندما غادر مطعما في شارع «سينت جير مين» في باريس وأخذه معه في سيارة إلى بيت ريفي حيث قتل. رواية الضابط المغربي المتقاعد تبدأ من هنا متجاهلة كل ما سبق. فهو يحصر وصفه التفصيلي على ما جرى للمعارض بن بركة داخل البيت الريفي. فقد كان في انتظاره أوفقير ومساعده أحمد الدليمي.. وجرى ما جرى من تعذيب انتهى إلى قتل وترحيل الجثة إلى المغرب وإذابتها على نحو ما نشرت الصحيفة المغربية ورصيفتها الفرنسية من التفاصيل التي رواها الضابط أحمد بخاري. إن رواية الصحفي البريطاني ورواية الضابط المغربي لا تتعارضان.. وربما تكون كل منهما تكملة للأخرى. ولكن لن يثبت هذا التكامل ـ أو يسقط ـ إلا من خلال تحقيق قضائي دقيق. لقد طالبت ثلاث جمعيات لحقوق الإنسان في المغرب من الملك الشاب محمد السادس أن يأمر بتحقيق والأمل قوي أن يتجاوب الملك مع هذا الطلب.. فمجرد انه لم يأمر بوقف نشر مذكرات الضابط المتقاعد في احدى الصحف المغربية، فإن هذا يعتبر مؤشرا ذا مغزى.