تبذل وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة في إسرائيل جهودا ضخمة لاخفاء حقيقة تدهور الحالة المعنوية والإنضباط العسكري في صفوف الجيش الإسرائيلي، خاصة بين قوات الاحتياط، والوحدات المكلفة بمواجهة الإنتفاضة الفلسطينية، لاسيما وأن كثيرا من الصحف الإسرائيلية كشفت عن تفاصيل حالات الهروب من الخدمة، والإنتحار، والادمان بين المجندين والمجندات.. حتى وصلت إلى وصف الحالة (بالتمرد) بعد أن حولت الإنتفاضة الحياة في إسرائيل إلى جحيم على حد وصف صحيفة هآرتس. وقد ظهرت تباشير هذا التمرد الواسع داخل وحدات الجيش الإسرائيلي مع اعتراف المسئولين فيه بأنه يعاني أزمة خطيرة تتمثل في آلوف الطلبات من أهالي الجنود الذين يطلبون عدم إرسالهم إلى المناطق الفلسطينية، إضافة لاضطراره سجن 800 من جنود الاحتياط يرفضون المشاركة في قمع الإنتفاضة، وآلاف غيرهم يتهربون لرفضهم تعريض حياتهم للخطر من أجل حماية حفنة من المستوطنين. وكانت صحيفة (ديلي تلجراف) قد أكدت أن إستمرار الإنتفاضة لشهرها السابع وإتجاهها للتصعيد أكثر، ولد أزمة طاحنة تعصف بجيش الاحتلال، وأن ما لا يقل عن 2500 من جنود الاحتياط الإسرائيليين تغيبوا عن الالتحاق بصفوف الجيش بدون إبداء أسباب، بينما اختلق عدة آلاف آخرون أعذارا صحية وشخصية هربا من العودة للخدمة العسكرية. ومن المعروف طبقا لقانون الخدمة العسكرية في إسرائيل أن على جميع الإسرائيليين أداء الخدمة الإجبارية لمد ثلاث سنوات في الفترة العمرية بين 18 و21 عاما، تتبعها دورة تدريبية عسكرية لمدة شهر من كل عام حتى بلوغهم الخمسين. ويبلغ تعداد قوة الاحتياط في إسرائيل 400 ألف جندي يساندون 200 ألف آخرين يعملون في الخدمة الدائمة. كما أفاد تقرير الصحيفة أن تهرب الجنود الاحتياط من الخدمة في المناطق الفلسطينية يعود لسببين: الأول مقتل عدد منهم خلال الإنتفاضة الحالية، والثاني يتمثل في عدم إقتناعهم بضرورة القاء أنفسهم إلى التهلكة من أجل حماية حفنة من المستوطنين المتطرفين مع قدوم الإرهابي شارون إلى السلطة في إسرائيل تعززت طموحات المستوطنين السوداء بإحتلال المزيد من الأراضي الفلسطينية وتصعيد سياسة التوسع الإستيطاني العدواني. وفي هذا يقول الخبير السياسي الإسرائيلي (إيهود سبرتنراك): منذ قدوم شارون إلى الحكم إنتعشت آمال المستوطنين في التوسع وهو ما سيشكل مأزقا للجيش الإسرائيلي لجهة حمايتهم وتقول جماعات إسرائيلية مستقلة أن الإنتفاضة الفلسطينية زادت من أعداد جنود الاحتياط الرافضين للخدمة العسكرية لاسيما بعد تعرض مستوطنات قطاع غزة لقذائف هاون فلسطي نية وقد نقلت (التلجراف ) عن (إيشالي مناحيم) الذي يشغل منصب قائد وحدة دبابات في الاحتياط، ويرأس جماعة (هناك حدود) الإسرائيلية قوله: (إن جنود الاحتياط غير معنيين بالمناطق الفلسطينية، فمعظمهم أصبح في الأربعينات ولديهم عائلات ودراسات وتجارة ينبغي اهتمامهم بها) وأضاف: (لذلك فإنهم لا يخاطرون بحياتهم من أجل قضية لا يؤمنون بها، وهذا بالطبع سيولد أزمة خطيرة للجيش الإسرائيلي لكن على الجيش أن يدرك أن قلة من جنود الاحتياط مستعدة للقيام بأعماله القذرة في المناطق الفلسطينية) وتشكل هذه المسألة بالفعل أزمة طاحنة للجيش الإسرائيلي الذي يحتاج للاحتياط لدعم عدوانه والسماح باعطاء جنوده فترات راحة بعد ستة شهور من المواجهات الهلكة. وفي تقريرين نادرين كشفت صحيفة (معاريف) ومجلة (تل أبيب تايمز) عن بوادر حركة تمرد في صفوف الجيش الإسرائيلي بسبب الإنتفاضة، ورصد التقريران حالة سخط وإنهيار في قوات الاحتياط، وأن الجنود الإسرائيليون أعلنوا رفضهم القاء مسئولية الإنتفاضة على أكتافهم، وأنهم يفضلون السجن على ذلك. وقد أوضح التقريران أن حالة التدمير بين صفوف الاحتياط تحولت لتنظيم معلن يحمل اسم (نوبة صحيان) ويرفع عبارة: قوات الاحتياط الإسرائيلية أصبحت مجموعة من الحمقى وفي خيمة أقامها هذا التنظيم بجوار المحطة المركزية للأوتوبيس في وسط تل أبيب للاحتجاج قال أحد زعمائهم وهو ضابط مخابرات سابق: (أدعو كل قوات الاحتياط للمشاركة في الاحتجاجات وألا يجلسوا في صمت بعد الآن قبل أن يفوت الأوان. واسترسل ضابط احتياط آخر يدعى (فون) قائلا: (إن القادة في إسرائيل لا يفهمون أننا على أعتاب إنفجار شامل ربما يقع بعد ثانية واحدة من الآن، ولا يعرف أحد كيف سنخرج منه، أننا كالطفل الذي يمنع إنهيار سد كبير للمياه بوضع إصبعة مكان ثقب صغير به. إذا لم يفعل الساسة شيئا وبسرعة، فسيرفض الإسرائيليون تنفيذ أوامر استدعاء الاحتياط) وعن الاصرار على المضي قدما في حالة التمرد يقول يقول (أريئل سلومون) الذي يخدم بسرية مدرعات: يجب علينا إتخاذ خطوات وإجراءات متطرفة.. فالمظاهرات لا تكفي وسينساها الكثيرون بعد عدة أيام.. لذلك يتوجب علينا إقناع عدد من سرايا الجيش بالتمرد ورفض الانضمام لصفوف الجيش ليحدث الإنفجار وتتم الإستجابة لمطالبتا.. وحتى الإستجابه لها توجب علينا الهروب عن الخدمة العسكرية). وقد أوجز جندي عائد من الضفة الغربية سبب اندلاع هذه الاحتجاجات في قوله: (أنا عائد من اسبوعين قضيتهما كفترة احتياط في نابلس.. (الرصاص كان يطلق علينا 24 ساعة يوميا، والعبوات الناسفة كانت تنفجر من حولنا باستمرار، وهذا حمل لا يمكن أن يطيقه أحد، خاصة وأننا ننفصل في كل عام عن أعمالنا وزوجاتنا بدون أن نشعر بأن تقدير من جانب المسئولين) ويذكر أن أحد الأسباب الرئيسية في تذمر قوات الاحتياط هو تهرب المدنيين من الخدمة العسكرية بموجب قانون يكفل لهم ذلك بحجة التفرغ للدروس الدينية وحجج أخرى واهية! وقد تضامنت أعداد كبيرة من أهالي الجنود الإسرائيليين المتمردين مع حركتهم، بل أن أعضاء من الكنيست عبروا عن دعمهم لحركة تمرد الاحتياط، حيث قال عضو الكنيست (إيتان كيل) (نرفض إستمرار الوضع الحالي الذي تدفع فيه مجموعات الاحتياط الثمن نيابة عن المجتمع الإسرائيلي كله، وهذا وضع لا يطاق). الاستنكار والشجب والرحلات المكوكية، ومعاهدات المدن والمنتجعات الأوروبية والأمريكية كلها لم تعد حق لأصحاب الحقوق الضائعة، ولا يتوقع منها ذلك وتنعكس الضغوط النفسية التي يتعرض لها الجنود الإسرائيليون العاملون في الضفة وغزة في زيادة حالات الإنتحار بينهم، فخلال الشهور الستة الأخيرة إنتحر 34 جنديا إسرائيليا مقابل 3 جنديا إنتحروا خلال عام 2000 بأكمله، وهو ما دفع العميد ( جيل رجب ) إلى المطالبة في صحيفة يديعوت آحرونوت بعدم إهمال حالة الجنود الذين يعانون ضغوطا نفسية في المناطق المحتلة. وعلى الجانب الآخر ترفض المجندات الإسرائيليات الخدمة في مناطق المواجهات مع الفلسطينيين مما عرضهن للمحاكمة العسكرية والسجن وآثار بالتالي ثورة أهاليهن الذين يرفضون الزج ببناتهن في مناطق حرب. ومن مظاهر الإنهيار والتحلل الذي أصاب الجيش الإسرائيلي نتيجة إنخفاض الروح المعنوية وتهاوي حالة الإنضباط، ما كشف عنه تقرير صادر عن صحيفة (معاريف) حول تفشي ادمان المخدرات بين الجنود، وأن الآلاف منهم يتعاطون المخدرات من مختلف أسلحة ووحدات الجيش لدرجة أن أحد القادة اعترف بحجم وخطورة المشكلة عندما قال: (لو تم تسريح كل جندي مدمن لعانى الجيش من نقص عددي) وترجع ظاهرة تعاطي المخدرات إلى فترة احتلال جنوب لبنان وكانت أحد أسباب هزائم الجيش الإسرائيلي هناك، وحيث حدثت حالات العثور على مجندين لفظوا حياتهم بسبب جرعات زائدة من الهيروين. وذكر التقرير أن حالات من الجنود الإسرائيليين يتعاطون المخدرات بأنواعها المختلفة، وأن 85% من المتعاطين يفضلون الماريجوانا والحشيش في حين يتعاطي 7% منهم الأقراص المخدرة، و5% يتعاطون الهيروين كما زاد أيضا عدد المتاجرين في المخدرات. ولا تقتصر خطورة هذا الأمر فقط على الكفاءة الصحية والبدنية للجنود، ولكنها تنعكس أيضا على قضية أمنية خطيرة تتكتمها قيادة الجيش الإسرائيلي، وهي بيع الأسلحة والذخيرة للحصول على الأموال اللازمة لشراء المخدرات، وهو ما كشف عنه التحقيق الذي أجرى مؤخرا بشأن إختفاء 10 مقذوفات مضادة للدبابات من أحد مخازن الجيش الإسرائيلي. خلاصة القول هذه بعض ثمار الإنتفاضة على الساحة العسكرية الإسرائيلية، فإذا أضفنا لها موجة الهجرة المعاكسة لليهود خارج إسرائيل، وهي أكثر ما يزعج النخبة الحاكمة هناك، وفرار المستوطنين من مستوطنات، وخسائر الاقتصاد الإسرائيلي التي بلغت 1.5 مليار دولار بعد أن تراجع بنسبة 35%، ناهيك عن حجم من الخسائر البشرية بلغ طبقا الآخر احصاء 150 فتيلا و825 جريحا إسرائيليا منذ سبتمبر الماضي، بالإضافة للتفسخ والإنقسام الذي يسود المجتمع الإسرائيلي لاسيما بين أنصار السلام والمتطرفين، وبين المتدينين والعلمانيين، وبين المهاجرين الجدد من روسيا وأفريقيا واليهود المولودين في إسرائيل، وبين اليهود بشكل عام وعرب إسرائيل الذين يشكلون 19% من سكان إسرائيل.. لتبين لنا حجم التصدعات التي أصابت المجتمع الإسرائيلي بفعل الإنتفاضة وعلى هؤلاء أن يدركوا دروس نضال الشعوب عبر التاريخ، وأهمها الصبر وأن من يتأوه أولا يخسر كل شيء، كما أن عشر سنوات من المفاوضات وبرامج التسوية والمباحثات والتنازلات وبيانات الاستنكار والشجب والرحلات المكوكية، ومعاهدات المدن والمنتجعات الأوروبية والأمريكية كلها لم تعد حق لأصحاب الحقوق الضائعة، ولا يتوقع منها ذلك. ـ خبير استراتيجي مصري