يخلو أفق المسار الفلسطيني من مبادرة كبرى شاملة للتسوية، يمكن اتخاذها خلفية صلبة للجدل المستعر هذه الأيام بين الأطراف المعنية بهذا المسار في الحال والاستقبال. يستطيع كل ذي بصيرة ملاحظة هذا الفراغ السياسي الاستراتيجي، على الرغم من تزاحم الموفدين والمبعوثين الى الشرق الأوسط منذ مستهل يونيو. وكذا على الرغم من الأحاديث المتداولة سرا وعلانية عن فشل صيغة أوسلو والحاجة الملحة الى بديل منها. ومن المفهوم أن تقرير ميتشيل لا يدحض هذه الملاحظة. فهو في أحسن الفروض يقدم وصفة لعودة الأمور ميدانيا بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي الى أوضاع ما قبل 29 سبتمبر الماضي. وبذلك فإنه يعالج العرض من دون الاختراق الى جوهر الداء والمرض، بما لا يدرجه في دائرة الحلول او المبادرات الجذرية. كأن التحركات الجارية، على كثرة صخبها وجلبتها، لا تروم الا ادارة الصراع وتخفيض سقف الاشتباك ومستوى (العنف) ونحسب أن الدبلوماسية الأمريكية بالذات هي الأكثر انشغالا بهذا الهدف، حتى يحق تسميتها بدبلوماسية اطفاء الحرائق والتهدئة. بل وقد نذهب الى أن واشنطن مهمومة بالتغطية على فشل حكومة ارييل شارون، وتولى تسكين الانتفاضة فلسطينيا وقطع السبيل على تداعياتها عربيا وبهذا فإنها تود أن تضطلع عبر الاداة الدبلوماسية بإنجاز ما لم تتمكن هذه الحكومة من تحقيقه بألتها العسكرية. غياب المبادرات الجذرية يعني بين أشياء أخرى أن المسار الفلسطيني يمر بمرحلة إلتقاط أنفاس وقت مستقطع لأكثر ولا أقل، ويحفزنا على هذا التوقع، صعوبة إن لم تكن استحالة تبلور تيار اسرائيلي يجنح لتسوية معقولة ومقبولة فلسطينيا في حياة حكومة شارون. وليس لنا بالطبع أن ننتظر التراجع من الجانب الفلسطيني. فقد تخلقت في رحم الانتفاضة حقائق ومعطيات، لا يسع أكثر المفاوضين الفلسطينيين ليونة وميوعة القفز من فوقها. خذ مثلا على ذلك، تردد السلطة الفلسطينية تجاه ايداع رموز حركتي حماس والجهاد الاسلاميتين السجون، انصياعا للمطلب الاسرائيلي الأمريكي اللحوح. إن موقفا كهذا ينتمي لمنتجات زمن الانتفاض، وينبغي القياس عليه بالنسبة لشئون وشجون أخرى. الحالة الفلسطينية لا تحتمل تكتيك التبريد لفترة طويلة. ولذا، فمن المؤكد أن الوقت المستقطع، المشغول الآن بتحركات شكلية، سوف ينتهي في الأجل القصير جدا. وأفضل ما يقوم به الجانب الفلسطيني ومناصريه بين يدي هذا الوقت، هو عدم الاستغراق الكامل في التحركات المتفاعلة، وضخ كثير من الاهتمام للنظر المعمق في عبرة الشهور التسعة الماضية. هل نود بقولنا هذا الايحاء بأن دفع المعنيين الى النظر جديا في انشاء مبادرة متكاملة حقيقية عاطفة جذريا على حقوق الشعب الفلسطيني، مازال بحاجة الى موجات أخرى من الانتفاض والمقاومة عموما؟ الأمر كذلك بالفعل. في غمرة التقييم المنتظر والمفترض جدلا، سنجد أن المنتفضين سجلوا نقاطا كثيرة في مرامي الاعداء المباشرين منهم وغير المباشرين. وسنعثر مجددا على الحقيقة التي كادت تختفي خلف سحب سنوات التسوية المهيضة، وهي أن الشعب الفلسطيني لديه طاقة عطاء جبارة، جديرة بالتوظيف الصحيح في صراع النفس الطويل مع الصهيونية وكيانها السياسي ومحازبيها الأقوياء. على أن مآثر هذه الانتفاضة التي تعز على الحصر، لا يتعين لها أن تخفي ماظهر في سياقها من مواطن الخلل والنقائص، ولأننا نستشرف موجات أخرى من الانتفاضة، فمن الحكمة بمكان الاعتناء بكشف هذه المواطن والعمل على ازاحتها تمهيدا لتعظيم العائد على نحو تراكمي. وبين ماظهر لنا في هذا السياق اجتهادا وبلا حصر. أولا، مايتعلق بتبعية الاقتصاد الفلسطيني، الأمر الذي يتيح لاسرائيل بالاصالة وللدول المانحة الغربية بشكل ما، الضغط على قوت المنتفضين وقمعهم من هذا المدخل، وهذه علة قديمة طالت الشعب الفلسطيني زمن الاحتلال وامتدت الى الشعب والسلطة على عهد أوسلو. ومن شأن استمرارها الحاق الضرر بالطرفين وتعريضهما للعقوبات و تقصير جهدهما. ثانيا، مايتعلق بالتحديد المسبق والدقيق لهدف الانتفاضة. ولا يخدم صلابة المنتفضين مثل وضوح أهدافهم، وبيان أن سقفها الحديدي غير القابل للمرونة هو التحرير في اطار الشرعية الدولية الفلسطينية. ثالثا، مايتعلق بأمن المنتفضين جماهيرا وكوادر وقوى تنظيمية وقيادات ميدانية. نقول ذلك وفي الذهن كيف تمكنت قوات الاحتلال واستخباراتها متعددة الوظائف والمسميات، من ملاحقة رموز فلسطينية قيادية ثمينة واغتيالهم ولعله من المدهش والمستهجن حقا تشابه أنماط هذه الملاحقات، وعدم الاحتراز منها على الرغم من هذه النمطية الملحوظة! رابعا، مايتعلق بضعف قوى المجتمع المدني الفلسطيني، أقله مقارنة بدورها إبان انتفاضة الثمانينات. هذا على الرغم من الانتشار الفائض لهذه القوى والأطر في مرحلة مابعد أوسلو. ومما يثار بهذا الخصوص ما اذا كان لارتباط معظم هذه القوى بالتمويل الخارجي صلة بوهنها الميداني هذه المرة؟ خامسا، مايتعلق بحدود الدعم العربي ليس رسميا ونظميا فقط ولكن شعبيا أيضا، فالفورة العاجلة للشارع العربي ثم صمته المطبق المطول، يستدعي البحث في جدوى التمييز التقليدي بين نظم متحفظة وشعوب أكثر استعدادا للعطاء. وبالتداعي ثمة حاجة لتحري كنه هذه الظاهرة وانعكاساتها على مسار النضال الفلسطيني في الأجل الممتد. سادسا، ما يتعلق بالعجز عن تدويل القضية الفلسطينية، بمعنى حمل القوى الدولية الفاعلة والتنظيم الدولي على الانغماس في هم التحرر الفلسطيني والتصدي للاحتلال الاسرائيلي، على نحو عاجل وجاد وملح. والسؤال هنا: لماذا تغضب هذه القوى ولا تترجم غضبها الى فعل كما هو الحال مع قضايا أقل شأنا وخطورة واستمرارية؟ هذا بعض مانتصور امكانية تداركه فلسطينيا وعربيا ودوليا في معرض الاستعداد لما بعد مرحلة التهدئة الراهنة. وبمثل هذه العملية التقييمية الشاملة يكتسب مفهوم تراكم الخبرة الكفاحية مضمونه الحقيقي. ـ كاتب سياسي ـ القاهرة