«التدخين يساعد على التخسيس»! هذه عينة من الاستخلاصات «البحثية» التي كان يروج لها قبل نحو عقدين أو ثلاثة قبل أن يفتضح أمر كبرى شركات التبغ العالمية على أيدي علماء باحثين ذوي استقلالية في الولايات المتحدة، وغيرها أثبتت بحوثهم ان تدخين السجائر يمكن أن يسبب السرطان وان له علاقة بأمراض القلب والجهاز التنفسي. وكون ان تدخين السجائر يساعد على التخسيس ربما يكون حقيقة علمية لكنها تظل حقيقة هامشية ثانوية بالمقارنة مع الحقيقة الأساسية الخطيرة والكبرى التي أثبتت العلاقة السببية بين التدخين والسرطان وأمراض القلب والجهاز التنفسي، والجريمة العظمى التي ارتكبتها شركات صنع السجائر العالمية ليس انها قامت بتمويل بحوث علمية لاثبات حقيقة هامشية ولكن لصالح ترويج منتجها وإنما لانها، أولا سكتت عن الحقيقة الأخطر، وثانيا لانها ذهبت أبعد من ذلك فقامت بتمويل بحوث «علمية» «تثبت» ان الأمراض المشار إليها لا علاقة لها بالتدخين. القضية هي إذن التمويل.. تمويل البحث العلمي بواسطة شركات كبرى لا تغفل لحظة واحدة عن الربحية التجارية كهاجس أعظم، وكغاية تبررها أي وسيلة. وهذه مسألة ليست عابرة يمكن التعامل معها باستخفاف. إنها خطر ماثل على الدوام يواجه بني البشر يوميا في أركان الدنيا الأربعة. في كل يوم تطالعنا أي صحيفة يومية في أي عاصمة من عواصم العالم بأخبار كشوفات علمية ذات صلة بصحة الإنسان، لكنها أيضا ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بترويج منتج صناعي ما.. أو تبخيس غير مباشر لمنتج منافس. هناك اكتشافات تحذر من أكل لحوم وأخرى تشجع على أكل نفس اللحوم.. واكتشافات تروج لفيتامين ما وأخرى تقول انه ضار.. واكتشافات «تثبت» ان منتجاً ما يمكن أن يؤدي تناوله بكثرة إلى خفض الكولسترول في الدم بينما تقرأ في الغد عن منتج منافس يقدح بصورة غير مباشرة في المنتج الأول. إن الشركات الصناعية الغربية الكبرى المنتجة لمختلف السلع تستأجر أقوى الكفاءات العلمية وتقوم بتمويل أكبر معاهد البحث العلمي وتمويل مراكز البحوث داخل كبرى الجامعات. وبما انها هي الطرف الذي يدفع المال فانها أيضا هي الطرف الذي يقرر سلفا «نتيجة» البحث من منظور مصالحها التجارية. وهذه هي احدى سلبيات فلسفة اقتصاد السوق المبنية على اعتبار ان تحقيق الربح لأقصى حد ممكن هو المعيار الأوحد لشرعية أي نشاط. وعندما يطبق هذا المبدأ على البحث العلمي المتعلق بالصحة البدنية والعقلية للبشر فان النتائج تكون كوارث محققة. يحدثنا الحديث الشريف عن «العلم الذي ينفع الناس». ومعنى ذلك ان البحث العلمي يجب أن يكون مقيدا بمعايير أخلاقية في مقدمتها ألا يسمح باستقصاء بحثي بهدف اثبات «حقيقة» مقررة سلفا يمكن أن تؤدي إلى الاضرار بالناس. ولهذا فان مؤسسات البحث العلمي، كبيرها مع صغيرها، يجب ألا تكون خاضعة إلا لاشراف استقلالي مجرد من نزعة الربح، لان النزوع إلى الربح يعني ببساطة ان المال هو الذي يوجه العلم وليس العكس. ومن أبرز الأمثلة في هذا الصدد سلوك شركات الانتاج الدوائي الغربية تجاه ظاهرة وباء الايدز العالمية. فالاعتمادات المالية التي تخصصها هذه الشركات للبحوث العلمية المتعلقة بمكافحة هذا المرض يوجه معظمها انتاج الأدوية عالية التكلفة التي يستطيع شراءها المستهلكون في الأسواق الغربية. وعلى هذا الأساس يتم تجاهل المرضى في افريقيا لانهم ينتمون إلى سوق ذات قوة شرائية ضعيفة. وهكذا يتحكم المال في العلم.