هذه المرة أريد أن أستميح القارئ عذرا وأترك كتابة هذه المقالة لقلم غير قلمي، ولن أتدخل في مجريات السرد إلا بقليل من التفاصيل بعد أن أعرض ما يسرده القلم الآخر، وهو يرصد حركة سيدة عربية تأخذها المقادير من بلدها إلى بلد عربي آخر يمر في حالة حرب، لتعيش مع زوج لها أحبته وتزوجته من ذلك البلد برغم مقاومة واعتراض أسرتها وعدم رضاها. وتسرد هذه الزوجة العربية بعضا من قصتها في ذلك البلد الذي اعتبرها كل من فيه غريبة وهي العربية. ولكن مشهدا و احدا من بين مشاهد كثيرة (استوقفني، وقد جاء هذا المشهد على الصورة التالية: «أخذني عائد - الزوج - من يدي وشدني خلفه وأوقفني أمام صفيحة القمامة، وراح يخرج تلك الكتلة المؤلفة من أوراق وفوارغ وتفل شاي وقهوة، وورق «كلينكس» وبقايا تنظيف خضروات وفاكهة، كانت ورقة الجريدة التي مسحت بها زجاج نافذة الصالة، مبلولة ومطوية وداخلة ضمن نسيج الكتلة، وماذا في ذلك، أن أمسح زجاج البيت بورق الجرايد. كانت نظراته تنتفض بشرر لا تطفئه إجاباتي اللامبالية كما تبدو له، وكنت ما أزال احتفظ ببعض من وداعتي في استقبال هوس الآخرين، وولعهم بتفاصيل غريبة. أخبرني بصوت مبحوح أن صورة السيد الرئيس تتصدر صفحة الجريدة. - لم اقصد شيئا مما تخشاه ... مسح الزجاج بالجرايد طريقة أكثر شيوعا بين الناس في بلدي، وبلاد أخرى. بدا عايد وكأن حشدا من كوابيس اليقظة يداهمه... صفوف من الخوف والرعب والفزع، فراح يفرد لي الصفحة لأرى صورة السيد الرئيس المبلولة والمخدوشة مثل وجه مكرمش ومشوه. وفي لحظة وكأنه تذكر شيئا، جرى كموسوس إلى باب البيت، يفتحه وينظر يمينا ويسارا، ثم إلى النافذة ليفتح ضلفتيها ويتبصص في كل اتجاه. ثم يرفع سماعة التلفون يحدق فيها ويضعها، حدث هذا أكثر من مرة وكأنه يرغب في التأكد من شيء ما. بدا الخوف نابضا فوق ملامح وجه عائد وحركته المشدودة إلى كل أرجاء البيت. لم أكن بحاجة إلى أن استعطفه أن يهدأ ويرتد عن مخاوفه وكوابيسه هذه، مكتفيا بإلقاء الورقة في سلة قمامتنا أو سلة قمامة الشارع، وليختتم هذا العرض الكابوسي من مهزلة قاتمة. وفي لحظة رأيته يسخر من فطنتي، مؤكدا أن هناك الكثيرين ممن يسيرون في الشوارع، يلتقطون للناس أسبابا لسحقهم، كنت أرى رعبه يكاد يطفر من عينيه وينزل على الأرض ليصير كائنات وحشية تضحك كثيرا.. ويذهب المشهد ليحكي كيف تعاونت الزوجة والزوج على محاولة معالجة مشكلة تلك الورقة من الجريدة، من محاولة حرقها، إلى إلقائها في قاع المرحاض، أو التصرف فيها بأي شكل... ولكن محاولاتهما كانت تفشل في كل مرة. ولا أريد أن أستمر في سرد وقائع المشاهد المتعددة في هذه الرواية التي ألفتها الكاتبة المصرية نعمات البحيري، ونشرت في نهاية العام الماضي بعنوان «أشجار قليلة عند المنحنى»، لأنها من حقوق المؤلف، لا العارض أو الناقد، ولكني أريد أن أشير إلى أنها واحدة من الروايات التي تصف الوضع القاتم في بلاد عربية ابتليت بحروب ودكتاتورية في آن واحد، وهذا التوجه الروائي نجده أيضا في رو اية عربية لكاتبة عراقية انتحرت أخيرا، وصدرت روايتها من بيروت بعنوان «والأيام إذا أغسقت» وهي الرواية التي تصف العذاب الذي وقع فيه الإنسان العراقي الفرد إبان التسعينيات من القرن المنصرم. الرواية هي فن وصف الواقع الذي يعيشه مجتمع ما دون أن يكون هذا الوصف موثقا بشكل أكاديمي، والناجحة منها تبدو كالسهل الممتنع: تقدم الصورة وترسم ملامح المجتمع أو أفراد منه وتقول الحقيقة، وتتطلع إلى آفاق الآمال. والرواية من هذه الزاوية تبدو في ظاهرها بسيطة ولكن في مبناها ومراميها ذات فائدة تاريخية واسعة، في ما يتعلق بأي حقبة من عمر المجتمع، من خلال رصد الأحداث والأشخاص والظواهر، والتلميح بها في صورة غير مباشرة، تبتعد بالكاتب عن الولوج في دائرة المؤاخذة القانونية، أو اللوم السياسي الذي قد يزيد حتى يبلغ درجة الحبس والتعذيب(!!)، ولكن كثيرا ما صودرت روايات في بلاد عدة، لأنها بالضبط تفصح عن الحقيقة التي كتبت أساسا - بهذا الشكل الفني - لتتجاوزها. وهناك عدد من الروايات العربية أرخت لحقب بعينها في النصف الثاني من القرن العشرين، والكثير من المهتمين بمنطقة الشرق الأوسط يلجأون لاستقاء المعرفة بهذه المجتمعات من باب الرواية التي ربما كانت هي الشكل المفضل لديهم، وعلى الرغم من أن حكايتي «السجينة» و«حدائق الملك»، لكل من مليكة أوفقير ووالدتها اللتين ذاع صيت كتابيهما بهذين العنوانين في الغرب أولا ثم في الشرق بعد ذلك، هما ليستا روايتين بالمعنى الفني الدقيق للكلمة، برغم ذلك فقد أتاحتا الكثير لمعرفة ملامح مجتمع عربي يقع في أقصى الطرف الغربي من الأرض العربية. أما رواية «الفصل الأخير» للكاتبة المغربية التي تداولتها الأقلام في الفترة الأخيرة فقد أصبحت من الكلاسيكيات التي لا غنى عنها لمعرفة الملامح المحددة للفترة الاستعمارية في المغرب، وغني عن القول أن روايات نجيب محفوظ، خاصة التي تصف المجتمع القاهري في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي قد صارت من الكلاسيكيات الخالدة للرواية العربية، كما باتت منبعا للتأريخ غير الرسمي لمصر في ذلك الوقت، بل إن هذه الروايات رسمت صورا سوسيولوجية للناس في تلك المرحلة، ولعلنا لا ننسى الصورة التي جسد من خلالها «محفوظ» في ثلاثيته العظيمة الملامح المميزة والمحددة للرجل الشرقي في شكل «سي السيد» والذي لا يبارح مخيلة القارئ، وهي ملامح ربما يعجز عن رسمها أستاذ اجتماع ولو كان قادرا ومطلعا. ووضع غازي القصيبي سيرة ذاتية تصدق تقريبا على كل طالب وطالبة من دول الخليج العربي قصدا القاهرة في الستينيات في روايته المعروفة «شقة الحرية»، وتكاد تتكرر أحداثها بصورة تقريبية مع كل الطلاب في تلك الحقبة من تاريخ النهوض العربي والانفتاح بين أهل الخليج ومناطق التأثير العربية. وما ينطبق على الشرق ينطبق على الغرب، فالروايات العظيمة التي أرخت للثورة الفرنسية أو الروسية هي التي بقيت حتى يومنا هذا، ولعل بعضنا يتذكر رواية الأديب الروسي بوريس باسترناك «الدكتور زيفاجو» التي تحولت إلى فيلم شهير قام ببطولته الفنان العربي عمر الشريف، وقد أرخت تلك الرواية للسنوات الأولى من الثورة البلشفية، حيث خُلدت تفاصيل تلك الفترة المهمة والحساسة في هذه الرواية أكثر مما خلدت في بطون كتب التاريخ الجافة. قلت ما قلته سلفا لأعود من جديد مؤكدا أهمية الرواية في سرد الأحداث. ولعل البعض يصف القرن الأخير من تاريخ العرب الأدبي المعاصر بعصر الرواية، حيث تعاظم الاهتمام بهذا اللون الأدبي، بعد أن كان العرب مغرمين بالشعر، وقد كان لرواج هذا الشكل الفني خاصة في تعبيره السياسي أسباب منها الوضع السياسي القائم والذي لا تستطيع الأقلام نقده بصورة مباشرة، فلجأ الأدباء إلى الرواية مستغلين مرونتها المتاحة وقابليتها لاحتضان مختلف أنواع التعبير، واجدين فيها آفاقا أكثر اتساعا لرصد الواقع والتعبير عن مجرياته وحقائقه، وتفاعل ظواهره وأشخاصه داخل الزمان والمكان. لكن تظل مشكلة الرواية العربية هي قلة المقروئية، وهي ظاهرة نتجت عن ظاهرة أخرى أعم، وهي ضعف عادة القراءة وتهافت الوعي بوظيفتها الاجتماعية في مجتمعنا العربي أجمع، حتى إننا نرى القراءة وقد انحسر الاهتمام بها عند العامة، وصارت مرتبطة بقلة من المجتمع تتصل مهنهم بالقراءة وضرورة المواظبة عليها، كالكتاب وأساتذة الجامعة. فما بالك بالقراءة المطولة نسبيا والتي تحتاج إلى ميل أصيل للقراءة وشوق لمتعتها. وبالرغم من هذا فإن القارئ - على أي حال - إذا أراد أن يعرف كيف يعاني عربي مثله في مجتمع قلق تسوده المخاوف والآلام والإحباط، فعليه بقراءة رواية نعمات البحيري السابق ذكرها، ففي هذه الرواية - شبه القصيرة - ما يغني عن خطب كثيرة وتفاصيل طويلة تضمها كتب التاريخ .