ان تقنيات الاتصال الحديثة ابتداء من الهاتف العادي مرورا بالهاتف المتحرك المرئي وحتى خدمات الانترنت مثل البريد الإلكتروني والدردشات المرئية والمكتوبة والمسموعة جعلت الاتصال أسهل وأكثر سرعة وسلاسة، الأمر الذي جعل عالمنا أشبه بحي صغير في المدينة. ورغم كل هذا وذاك، ثمة مفارقة تفرض نفسها هنا حول التواصل الإنساني الحميم والتي تؤكد هشاشته ونقصانه عما كان بالسابق. فمع سهولة الاتصال بدا التواصل متذبذبا ضعيفا مقارنة بما تتيحه التكنولوجيا الحديثة. فالقطيعة في عالم الاتصال السريع أكثر تأثيرا منها في منتصف القرن الماضي مثلا. وكأن المثل العربي المعروف «الغايب حجته معاه» غير صالح هنا، بل أصبح الغياب غير مبرر، ولا يندرج تحت تعريف الانشغال بالأعمال أو الدراسة، وإنما تحت تعريف التقصير الاجتماعي. ويذكر هنا أن الشكل التقليدي في الاتصال أصبح غير مبرر، فيجب على الشخص الغائب أن يدعم رأيه بأن وضعه الدراسي والصحي والنفسي والمادي جيد ليس فقط بالاتصال الهاتفي وإنما بإرسال بطاقة إلكترونية ذات موسيقى معبرة حتى يدرك الطرف الآخر بأنه في أحسن حال. ومع ذلك فإن الغائب يجب عليه أن يجدد ابداعاته في التعبير وإلا سيتم اتهامه بأنه مثير للقلق رغم اتصالاته التقليدية. على ما يبدو ان المثل العربي القديم أصدق الأقوال في هذا المجال: حيث قال الأجداد «الزائد أخ الناقص». هاني جابر