في الوقت الذي يبهرنا فيه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع ـ وكعادته دائماً ـ بالاعلان عن مبادرته الكريمة (اعداد) الخاصة ببرنامج المنح الدراسية رفيعة المستوى، من أجل تأهيل أجيال مواطنة تتحمل مسئولية خدمة الوطن على أرضية ثابتة من الاعداد والتعليم العالي، في الوقت الذي يذهب فيه سموه نحو المستقبل برؤية ثاقبة وحكيمة تراهن على أجيال الوطن الشابة والموهوبة، في هذا الوقت تحديداً تفاجئنا حكاية الفتاة المواطنة التي تجلس على مقاعد امتحانات الثانوية العامة للمرة الثانية بعد أن تخرجت من الجامعة! تفاصيل الحكاية غير منطقية بالفعل، لكنها حقيقية في نهاية الأمر، فالفتاة المواطنة التي اجتازت امتحانات الثانوية العامة عام 1995 وبتفوق في القسم العلمي، وحصلت على شهادتها الجامعية عام 2000، عادت عام 2001 لتتقدم لامتحانات الثانوية العامة عن القسم الأدبي هذه المرة ولتظفر بنسبة 92.3% ! لكن لماذا فعلت ذلك؟ باختصار لأنها يئست من الحصول على الوظيفة، ولأنها لا منفذ لها لقضاء الوقت ولا متنفس لها ـ ربما ـ لانهاء الدراسة العليا بسبب ظروفها العائلية. 790 اسماً اعتمدت منذ ايام لشغل وظائف التدريس للعام المقبل (2001 ـ 2002) فلماذا لم يكن اسمها بينهم؟ كيف لم يلتفت الأخوة في التقويم والامتحانات لأمرها؟ لماذا لم تثر حكايتها اهتمام جماعة الامتحانات فينقلونها الى من يهمه الأمر؟ او يمنعونها من هدر سنوات عمرها بلا مبرر، بينما جميع أوراقها كاملة وجاهزة تنتظر الفرج في أقسام التوظيف في وزارة التربية. أجزم بأنها حكاية أقرب للمأزق فعلاً، فهذه الطالبة تضع وزارة التربية والتعليم كاملة في خانة ضيقة أمام المجتمع والإعلام والمسئولين وأولي الأمر، تضعهم في مواجهة شديدة ليبرروا لنا سبب ما حدث، والذي يمكن ان يفتح الباب لمواقف مشابهة مستقبلاً، حينما يضيق الأمر على الخريجين المواطنين فيلجأون إلى ما لجأت إليه هذه الفتاة، وما يقود إلى أنواع من الهدر الزمني والمادي والانساني وبلا مبرر على الاطلاق، إلا إذا كانت السلبية والتخبط والعجز، وعدم الرغبة الصادقة في التصدي لأزمات الوزارة مبرراً!! ماذا يمكن ان نقول أكثر؟ في القلب غصة على أعداد كبيرة من الخريجين المواطنين الذين ينتظرون دورهم في طابور طويل من العاطلين الباحثين عن وظيفة، بينما تذهب الوظائف في وطنهم إلى الجميع وبسهولة أحيانا، وفي القلب ألم على هذه الفتاة التي تنشر حكايتها اليوم وعلى أحلامها وفرحتها التي خطفت منها! اننا نحيل الاخوان في التربية إلى مشروع (اعداد) الذي أطلقه سمو ولي عهد دبي بمبادرة كريمة صبيحة إعلان نتائج الثانوية العامة، وكأن سموه يقدم لأبنائه الخريجين أجمل تحية وتهنئة نجاح، مؤكداً حرصه على الانسان المواطن، واستثمار جهده وتفوقه عن طريق تعليمه واحتضانه واعطائه حقه في ادارة تنمية مجتمعه بما يليق بمواهبه وحقوقه في خيرات وطنه تمشيا مع نهج الوالد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي علمنا ان ثروة الوطن الحقيقية في أبنائه، وباحتضانهم لا بإهمالهم. تحية اعجاب وتقدير لسمو الشيخ محمد بن راشد ولمشروعه الحضاري الرائد... أما أهل التربية فلا نقول لهم سوى: سامحكم الله!!