ـ دبّرني يا وزير ـ التدابير لله يا مولاي كم كنا نسمع هذا الاستهلال للحوار منقولا عن قصص (ألف ليلة وليلة) إذ كان الرواة يتبادلونها في أسمار ليالي الصيف المضيئة بنور القمر حين كنا نخشى القرى التي ينتمي اليها أهلنا من دلتا النيل الخصيبة.. كما نفرغ من امتحانات آخر العام وتبدأ اجازة الصيف التي كانت تحمل مصطلح (المسامحة) يستخدمه المخضرمون من الآباء والأجداد كناية عن الاجازة المدرسية واشارة لا تخفى على إنسان الى أن التلاميذ وربما أولياء الأمور كانوا ينظرون الى فترة الانتظام في الدراسة على أنها عبء ثقيل ومهمة فادحة أقرب ما تكون الى الحكم الصادر بأشغال شاقة أو مخففة سيّان ومن ثم فانتهاء الدراسة وبدء الاجازة يأتي إيذانا بوضع أقرب الى العفو عن بقية العقوبة ومن ثم كان استخدام لفظ المسامحة الذي كان يبعث بنا الى الريف ولياليه وأسمار ألف ليلة.. و.. دبرني يا وزير! من هنا كان للوزير في مخيلتنا صور شتى متناقضة في بعض الأحيان، لقد قرأنا في التاريخ وفي الأدب العربي كيف كان الوزير مسئولا له منصب غاية في الرفعة والجلال أقرب ما يكون الى أبهة السلطان.. وحفظنا قولة الشيخين الجليلين أبي بكر وابن الخطاب في سقيفة بني ساعدة عقب رحيل النبي عليه الصلاة والسلام الى دنيا البقاء في خطاب الى جماعة الأنصار: يا معشر الأنصار نحن الأمراء وأنتم الوزراء. وقرأنا أيضا عن سطوة الوزراء البرامكة في العصر العباسي الأول (يلاحظ أن جعفر البرمكي وزير هارون الرشيد واحد من أبرز أبطال ألف ليلة وليلة وهو يضارع الخليفة الرشيد شخصيا في حواديت هذا القصص الشعبي الجميل من حيث النفوذ والأبهة والسخاء وحسن الأحدوثة بين الناس). بيد أن صورة الوزير في خيالنا كان لها وجهها الآخر.. الى جانب وجه الهيل والهيلمان كان هناك وجه التراجيديا.. السقوط بل والعذاب الى حد السجن والاعدام.. كنا نقرأ مثلا عن الوزير العباسي الخطير محمد بن عبدالملك الزياتي (مات عام 847 للميلاد) وقد نشأ في بيت تجارة كما يدل اسمه (أهله كانوا يملكون سوبر ماركت كبيراً للوازم البقالة في حي الدسكرة في بغداد) ونبغ السيد محمد هذا في اللغة والأدب ليصبح من كبار الكاتبين البلغاء الى أن تولى منصب الوزارة في عهد المعتصم والواثق من بني العباس.. وانتهى به الأمر الى أن تغير عليه خاطر الخليفة (واخد بالك) فعزله وأدخله السجن (كتب السير والتراجم المعروفة باسم وفيات الأعيان تستخدم تعبير نكبة أي أنزل به مصيبة تجسدت في أن أودعه غياهب التنور وهو الفرن أو المصهر المزود بأسياخ أو مسامير تنفذ الى جسد الضحية المنكوب لزوم مضاعفة التنكيل وتبشيع المعاناة.. أجارك الله من هذا وذاك). مع هذا كله ظل منصب الوزير والوزارة شيئا خطيرا في وجداننا.. كيف لا ونحن أبناء التسلسل الهرمي في مراتب المناصب البيروقراطية.. كان أكبر منصب عرفه أهلونا هو كاتب المحكمة (يسمونه طبعا الباشكاتب) وهو أصغر ضابط في قسم الشرطة يفصل بين مشاجرات أهل حينا الشعبي (وكانوا يرفعون رتبته الى سعادة البيه المأمور وطبعا كان صاحبنا يشمخ بأنفه وهو يعلم يقينا أنه لن يصبح يوما لا صاحب سعادة ولا من البهوات ولا مأمورا ولا أي حاجة من قريب أو بعيد.. ببساطة لأنه ضابط من تحت السلاح.. دخل السلك جنديا وترقى بأقدمية السن وسوف يحال الى التقاعد وهو في المرتبة الأدنى من سلك الضباط.. لكن المجاملة حلوة.. وأهل حينا من أولاد البلد شطار يعرفون من أين تؤكل الكتف وهذا الأكل والاغراء لن يكلفهم سوى أن يضيفوا الى كتف الضابط الفلاح العجوز عدة نجوم على سبيل البقشيش على أساس أن هذه الاضافة الشعبية ليس عليها لا جمارك ولا مكوس). كانت المسألة مجرد أمنيات وأشواق واذا كان الضابط العجوز تراوده أحلام.. مجرد أحلام أن يكون مأمورا برتبة عميد أو عقيد.. فكم راودت الرؤى الذهبية والأحلام العسجدية أفرادا محترمين منهم قوم من طلائع المثقفين لكي يدخلهم القدر الحنون أو يسلكهم الحظ المبتسم في زمرة الوزراء. لمثل هؤلاء الحالمين المشوقين اخترع الثنائي الساخر الموهوب في صحافة مصر الكاتب أحمد رجب ورسام الكاريكاتير مصطفى حسين شخصية (عبده مشتاق) التي أصبحت جزءاً من فلكلور المناصب على مسرح السياسة العربية المعاصرة: هو الملهوف أبدا على أن يصبح وزيرا ولو ليوم أو بعض يوم.. هو الجالس الى جوار الهاتف خلال وقائع التعديل الوزاري يود لو يرن الجرس ويستدعيه صاحب الدولة الجديد رئيس مجلس الوزراء ليقول له: ـ يا عبده.. مبروك.. أصبحت وزيرا.. ـ عبده مشتاق شخصية كاريكاتورية من صنع خيال مبدع لكاتب ساخر مقتدر وترسمها ريشة فنان مقتدر لتقطر سخرا ومفارقة وتنبض تقاطيعها بمشاعر اللهفة المشوقة والطمع الذي لا تحده حدود. أصبح (سي عبده) هذا رمزا لكل من يتلهف على منصب.. أي منصب كبير.. وكل من يكاد يدفع سكينته وربما كرامته وقيمه لكي يصبح مشهورا.. وينعم بقدر ما من السلطة والنفوذ. ومن عجب أن الناس في مصر بالذات، وربما كان هذا من تأثير الحكم التركي العثمانلي ينظرون بعين الرهبة الى من يلي منصب الوزير دع عنك رئاسة الوزارة ونحن نقول بتأثير الأتراك لأن رئيس وزراء الدولة العثمانية كان يحمل لقبا مفعما بالفخامة هو: الصدر.. الأعظم.. ومع ذلك فحين يزول المنصب عن الوزارة وأعضائها لا يلبث نفس الناس أن يشبعوها ويشبعونهم لوما و تقريعا وتذاكرا للسلبيات والمآخذ كيف لا وقد اصطلح القوم على توصيف انتهاء عمر التشكيل الوزاري بتعبير له أكثر من دلالة زاعقة وشامتة أيضا إذ يقولون: ـ سقطت الوزارة؟ في هذا الصدد يخاطب الشاعر اسماعيل صبري (توفي عام 1930) أحد رؤساء الوزارات في مطالع القرن العشرين بعد أن سقط صاحب الدولة ومعه أصحاب المعالي من زملائه في الوزارة وبعد خدمة سنوات أمضوها للأسف في ممالأة الاحتلال البريطاني وقتها. يقول الشاعر: عجبت لهم قالوا سقطت، ومن يكن مكانك يأمن من سقوط ويَسْلَمُ فأنت امرؤ ألصقت وجهك بالثرى وحَّرمت خوف العزل ما لم يحّرمُ فلو أسقطوا من حيث أنت زجاجة على الصخر لم تصدع ولا تتحطمُ و.. هذا حديث ذو شجون حقا.. فانتظر.