بذلت الجماعات المؤيدة لاسرائيل في الولايات المتحدة جهدا تشريعيا ودعائيا مكثفا لتأييد سياسات حكومة شارون المناهضة للسلام. وخلال السنوات القليلة الماضية كانت هذه الجماعات، قد نجحت في الضغط على حلفائها في الكونجرس لتقديم عدد من مشروعات القوانين التي قصد بها معاقبة الفلسطينيين واضفاء التوتر على العلاقات الأمريكية مع عدد من الدول العربية. وبينما لم يقدر لهذه الجهود أن تكلل بالنجاح كلية، الا انها أحدثت ضررا لا يستهان به، وقد أسفر عدد مشروعات القوانين التي تم اقتراحها والحقيقة القائلة انها قد مضت بالكونجرس في اتجاه سلبي معاد للعرب عن اعادة تكريس وضعية عدائية سابقة للسلام في اطار النقاش المتعلق بالشرق الأوسط. ويعد الجهد الذي بذل لايقاف المساعدة الأمريكية للبنان مثالا يضرب في هذا الصدد، حيث قدم مؤيدو اسرائيل مشروع قانون أريد به ايقاف المساعدة الأمريكية المحدودة بالفعل لهذا البلد الذي يتعرض للكثير من العداء. وتباينت الحجج المطروحة في هذا الشأن من معارضة مساعدة حزب الله وسوريا إلى المزاعم القائلة ان الحكومة اللبنانية تجعل نفسها غير مؤهلة لتلقي المساعدة لانها لم تلتزم باتفاقياتها مع الأمم المتحدة (ومع اسرائيل). ومما يحسب رصيدا لصالح ادارة بوش انها عارضت بقوة مشروع القانون المناوئ للبنان، وأسفر جهد منسق ومنظم أشرفت على القيام به السفارة اللبنانية في واشنطن وعدد من المنظمات الأمريكية العربية، وأسفر عن احباط مشروع القانون هذا تقريبا، حيث تم اقراره بفارق ستة أصوات فحسب، إذ أيده 216 عضوا وعارضه 210 من أعضاء المجلس، ولكن حتى هذه النتيجة المتقاربة جاءت بعد أن قامت به الجماعات المؤيدة لاسرائيل بضغط شامل أدى إلى قيام 17 عضوا قياديا بتغيير توجه اقتراعهم في اللحظة الأخيرة. وإذ يواجه مؤيدو مشروع القانون هذا مستقبلا غامضا في مجلس الشيوخ فانه يقترحون الآن تعديلا يعد بمثابة حل وسط، يحظر وصول المساعدة الأمريكية إلى أي قرية لبنانية «يسيطر عليها حزب الله». وتعارض الخارجية الأمريكية بدورها هذا التعديل، ومن ثم فانه قد يمنى بالفشل، ولكن جانبا مما جرى في هذا الصدد لم يكن المقصود منه تمرير مشروع قانون، وانما تسميم اجواء العلاقات الأمريكية ـ اللبنانية، والانطلاق بالخطاب في الكونجرس إلى معادل ومؤيد لاسرائيل. والأمر نفسه ينطبق على مناقشة المساعدة الأمريكية لمصر. ففي الأسابيع التي سبقت زيارة الرئيس المصري حسني مبارك للولايات المتحدة، قام أعضاء جماعات الضغط المؤيدون لاسرائيل وأنصارهم في الكونجرس ببذل جهد مضاعف لشن حملة دعائية ضد مصر. وزعموا ان هدفهم الرئيسي هو ما تقوم به مصر من «تحريض ضد اسرائيل» ودور القاهرة كعقبة في طريق السلام بين اسرائيل والفلسطينيين ومضوا قدما باعلانات منشورة في الصحف وكتيبات ووقائع مؤتمرات صحافية منظمة تركزت كلها على ادانة مصر. وفي معرض الرد دعت الحكومة المصرية بذكاء الامريكيين العرب والامريكيين اليهود لاقامة «مأدبة غداء سلام» يحضرها الرئيس مبارك. وأتاحت هذه الفعالية كذلك للقادة اليهود الفرصة لطرح اسئلتهم على الرئيس مبارك، فقام بالرد عليها جميعها، وساعد الى حد ما في تصفية الاجواء فيما يتعلق بالعديد من المخاوف التي اثارتها الحملة المعادية لمصر، كما قدم المصريون كتيبا تضمن ثبتا مفصلا بعمليات التحريض الاسرائيلية على العرب، وقد كان مؤثرا لكن توزيعه كان محدودا للغاية. ولم يردع ذلك بعض اعضاء الكونجرس فبدأوا اندفاعاً يستهدف وضع حد للمساعدة العسكرية التي تلقيها مصر من الامم المتحدة، زاعمين ان مصر ليس لها اعداء، وسعوا الى احلال مساعدة اقتصادية يمكن تقليصها بمرور الزمن محل تلك المساعدة العسكرية. ويقضي مشروع القانون هذا بأنه يتعين على الرئيس الامريكي ان يشهد مرة كل ستة اشهر على ان السلطة الفلسطينية تعنى بالتزاماتها المتعلقة بالسلام وإلا فإن العقوبات تسري عليها. ومؤخرا تم التوصل الى حل وسط من نوع ما فيما يتعلق بهذه القضية حيث تم تقليل متطلبات مشروع القانون وتقليل العقوبات وبالاضافة الى ذلك اضيف بند يسمح للرئيس الامريكي برفض الجهد بكامله اذا اعتقد ان «من صالح الامن الامريكي» القيام بذلك. وهكذا فإنه حتى اذا تم اقرار البند المناويء للفلسطينيين فإن الرئيس الامريكي اخذا في الاعتبار بسابقه حدثت خلال ادارة امريكية سابقة ربما يقوم باستخدام السلطة المخولة له في المشروع ومع ذلك فإنه كنتيجة للنقاش الجاري وقع الضرر بالفعل. وجميع مشروعات القوانين هذه اما انه تم التوصل الى حلول وسط بشأنها او التقليل من حدة صياغتها بسبب معارضة البيت الابيض لها. ولكن مع انغماس الكونجرس بصورة اسبوعية تقريبا فمن حملة بعد الاخرى معادية للعرب فإن العلاقات العربية الامريكية في مجملها تعرضت للتوتر. صحيح ان بعض اعضاء الكونجرس وقفوا وعارضوا هذه الحملات العدائية ورد الامريكيون العرب بشكل نشط على كل هذه الحملات الدعائية المناهضة للعرب. ولكن بالنسبة لمعظم اعضاء الكونجرس فإن هذا الجهد بكامله جاء تذكيرا بأن الشرق الاوسط منطقة يؤثرون تجنبها واذا اضطروا للاقتراع فإن عليهم ان يمضوا في الطريق الذي تواجههم فيه اقل مقاومة ممكنة، وتمثل التأثير الاجمالي للاشهر القليلة الماضية في رؤية قاعات الكونجرس مليئة بالخطاب والمبادرات المعادية للعرب. واذا كانت استراتيجية الجماعات المؤيدة لاسرائيل تتمثل في ايجاد معادلة سابقة للسلام قوامها اسرائيل والولايات المتحدة ضد العرب فربما بوسعها ان تزعم انها قد حققت بعض النجاح. وكما اشار المعهد الامريكي العربي في بيان وجهه منذ اسبوع «بينما يعمل الدبلوماسيون الامريكيون على الانطلاق قدما بالسلام في الشرق الاوسط، فإن بعض اعضاء الكونجرس يسعون لتعريضه للخطر ثم يمضي البيان ليقدم «قائمة عار في الكونجرس» مشيرا الى اولئك الاعضاء في الكونجرس الذين يرعون الحملة المعادية للعرب. ان الاوقات التي نمر بها اوقات مختلفة وربما تصبح اكثر صعوبة. ونحن نواجه كذلك تحديات شاملة ونخوض القتال كأفضل ما نستطيع. وما يتعين ملاحظته هو انه بينما يتواصل هذا الهجوم على العديد من الدول العربية وعلى العلاقات الامريكية العربية فإن بعض المنظمات الامريكية اليهودية الكبرى قد شنت هجمات على الامريكيين العرب واتهمت الجالية بأنها «معادية للسلام» ولا يمكن الاستخفاف بتواتر وحدة هذه الهجمات ويبدو انه بعد لبنان ومصر والفلسطيينين قد يصبح الهدف التالي في هذا الجهد المتواصل لتفكيك البقايا الاخيرة من عملية سلام التسعينيات. ولسوف نتصدى بالطبع على هذا التوصيف ونرد الهجوم بمثله، فلنا حلفاء ولسوف نعمل معهم لتأمين وضعنا ولاستعادة الديناميكية الايجابية في العلاقات العربية الامريكية.