من عجائب ملابسات تقديم الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش إلى محكمة جرائم الحرب الدولية في لاهاي ان الولايات المتحدة ـ الدولة التي تزعمت تدبير اعتقاله وترحيله إلى مقر المحكمة ـ لا تعترف حتى هذه اللحظة بشرعية هذه المحكمة الدولية. فأمريكا ترفض حتى الآن التوقيع على معاهدة تأسيس المحكمة الجنائية الدولية التي تنص على محاكمة مرتكبي جرائم الابادة الإنسانية. والمعارضة الأمريكية للمعاهدة مبنية على تخوف من ان يطال قانون المحكمة الدولية أشخاصا أمريكيين، عسكريين أو مدنيين، يمكن أن ترفع ضدهم دعاوى كما حصل لميلوسيفيتش. أجل.. ميلوسيفيتش مجرم حتى النخاع. وحتى لو أعدم (مع ان قانون محكمة لاهاي لا يشتمل على عقوبة الاعدام) فان ازهاق روحه لن يكون إلا بمثابة نقطة ماء في محيط بالمقارنة بما أزهق من أرواح في البوسنة وكوسوفو تعد بمئات الآلاف. ولكن هكذا كان عدد من الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين الذين أمروا بابادة شعب فيتنام، ونفذت باسم أوامرهم مذابح جماعية تلو أخرى بلغت حصيلتها النهائية مليوني فيتنامي على أقل التقديرات. في عام 1975 غادرت القوات الأمريكية الأراضي الفيتنامية. وما بين التدخل العسكري الأمريكي في المشهد الفيتنامي في منتصف الخمسينيات ونهايته تعاقب على الإدارة الأمريكية خمسة رؤساء (أربعة منهم حكموا لمدى ولايتين) هم: دوايت ايزنهاور وجون كينيدي وليندون جونسون ورتشارد نكسون ورونالد ريجان. واذا كان من المستحيل محاكمة أي منهم الآن لان الأربعة الأوائل ماتوا كلهم والخامس أصيب بداء الخرف وفقدان الذاكرة فان هذا لا يعني عدم محاكمة أعمالهم.. كما لا يعني عدم محاكمة من بقي على قيد الحياة من مساعديهم من السياسيين والجنرالات. ولا يعني بنفس القدر تجاهل حكام فيتنام الجنوبية، ممن هم على قيد الحياة، الذين شاركوا الجنرالات الأمريكيين ميدانيا في عمليات ابادة شعبهم.. وقبضوا ثمن عمالتهم وهربوا إلى الولايات المتحدة تحت حماية القوات الأمريكية ويعيشون متمتعين بالثروة والجاه والأمان كالجنرال «كاوكي» والجنرال «فان ثيو». ومن المفارقات المفعمة بالسخرية المريرة والفكاهة السوداء انه قبل بضعة أيام فقط من نجاح المطاردة الأمريكية لميلوسيفيتش وترحيله إلى لاهاي ليواجه اتهامات الابادة الإنسانية صرح المتحدث باسم البيت الأبيض الأمريكي بأن الولايات المتحدة تعارض تقديم ارييل شارون إلى محكمة جرائم الحرب البلجيكية ليواجه اتهام قتل ألفي فلسطيني في مذبحة «صبرا وشاتيلا» عام 1982. واذا كان هذا التناقض الأمريكي الفاضح يحرك تساؤلا مفاده «ما الفرق بين ميلوسيفيتش وشارون» فانه في الوقت نفسه يثير تساؤلا استطراديا من نوع مختلف مفاده «ما الفرق بين شارون وباراك ونتانياهو وشامير ومن قبلهم من حكام الدولة اليهودية منذ قيامها قبل أكثر من نصف قرن وما دبروا وارتكبوا من مذابح ابادية بحق الشعب الفلسطيني أجيالا وراء أجيال؟ غير ان كله لا يوفر اجابة على التساؤل الابتدائي وهو: لماذا ظلت الولايات المتحدة حريصة على الظفر بالرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش منذ أن كان على رأس السلطة اليوغسلافية؟ بالطبع لا يمكن القول ان واشنطن تتحرك بدوافع الغيرة على مسلمي البوسنة وكوسوفو من ضحايا هذا الزعيم الصربي الدموي وذويهم أو بدوافع حماية حقوق الانسان فمثل هذا القول لا يصدقه إلا السذج. إن مشكلة ميلوسيفيتش هي انه آخر الاشتراكيين في أوروبا وان يوغسلافيا صمدت طويلا كآخر قلعة ضد المد الرأسمالي الذي تقوده أمريكا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وقلاع الاشتراكية التابعة له في شرق أوروبا. وبتدمير ميلوسيفيتش وعهده تكون يوغسلافيا قد خطت أولى خطواتها على طريق البؤس لكي تلتحق بسابقاتها، بلغاريا والمجر وتشيكيا وبولندا وغيرها تحت اسم «اقتصاد السوق».