أعلنت روسيا انها لن تسمح بتمرير مشروع العقوبات على العراق الذي اقترحته بريطانيا ودعمته الولايات المتحدة والمعروض حاليا في مجلس الأمن. ويعرف هذا المشروع أيضا باسم «العقوبات الذكية» أو هكذا سماه، واضعوه الذين يقولون انهم يرمون من خلاله إلى اجراء عملية جراحية جديدة في العراق، تسفر عن معاقبة نظام الرئيس صدام حسين من دون الاضرار بالشعب العراقي. والعنوان الابرز لهذه الجراحة هو السماح بدخول المواد الغذائية والطبية وسائر المواد ذات الاستخدام المدني إلى العراق من دون قيود، مع الابقاء في الوقت نفسه على الأموال المتأتية من بيع النفط العراقي في أيدي الأمم المتحدة، والتقليل إلى أدنى مستوى ممكن من عمليات تهريب النفط العراقي، وبما يحرم في النهاية نظام بغداد من أية موارد مالية قد يحصل عليها في غفلة من واشنطن أو حلفائها. ومن أجل ذلك يطرح المشروع البريطاني طائفة واسعة من الاجراءات التي تستهدف اعادة احكام السيطرة على العراق جغرافيا (عبر جيرانه) وسياسيا (عبر الحصول على تخويل واضح من مجلس الأمن وفق القرار الجديد). وتريد بريطانيا والولايات المتحدة من وراء هذا المشروع، كما تقولان، أن تتخلصا نهائيا من تحمل مسئولية المعاناة والمآسي التي يعانيها الشعب العراقي بسبب العقوبات، ورميها على عاتق حكومته، وفي الوقت نفسه ضمان ابقاء العراق أطول فترة ممكنة تحت الرقابة الدولية وبما يلبي مقتضيات السياسة والمصالح الأمريكية. لكن من شأن موافقة مجلس الأمن على مشروع العقوبات الذكية أن يعني تسليما من جانب باقي أعضاء المجلس (خصوصا روسيا وفرنسا والصين) باستقرار الملف العراقي من جديد وربما إلى فترة غير معلومة في اليد الأمريكية. وهو الأمر الذي ينزع من هذه الدول، سيما روسيا، القدرة على القيام بأية مناورة مستقبلا، وصولا إلى حرمانها من تحقيق مصالحها في العراق. من هنا ومع اقتراب موعد اتخاذ قرار بشأن المشروع البريطاني الذي حدد مجلس الأمن تاريخه اليوم (الثالث من يوليو) كان لابد أن يتحرك الروس لدرء خطر يبدو وشيكا، وبما لا يجعلهم أسرى اللجوء لاستخدام حق النقض الفيتو، أو الامتناع عن التصويت. لذلك جاء المشروع الروسي، البديل عن العقوبات الذكية. لكن ما هي حظوظ هذا المشروع من النجاح؟ لاءات واشنطن لم تطل الولايات المتحدة الوقوف مليا أمام المشروع الروسي البديل، وإنما سارعت ومعها بريطانيا إلى رفضه ووصفتاه بأنه غير مقبول ومثير للقلق. وهذا أمر متوقع. فعلى خلاف مشروع العقوبات الذكية، الذي يؤبد العقوبات ويجعلها غير قابلة للرفع في أي وقت قادم، فان المشروع الروسي وان حرم العراق من امكانية تسلحه الطبيعي، وأبقاه رهن التعويضات الطائلة والرقابة الدولية المعززة بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إلا انه يضمن له على الأقل رفع الحصار الاقتصادي في نهاية المطاف. ولأسباب استراتيجية وحيوية تتعلق بالمصالح الأمريكية في المنطقة والعالم، لا يمكن للادارة الأمريكية الحالية أو أية ادارة أمريكية أخرى أن تتسامح مع أي مطلب لرفع العقوبات عن العراق، إلا وفق شروط تحددها هي، بما في ذلك الزمان والكيفية. وهذه الأسباب هي: أولا: ان الولايات المتحدة لا تثق مطلقا بالنظام العراقي ولا ترى أي امكانية لتأهيله، إن في صورته الحالية أو أي صورة يظهر عليها مستقبلا. ثانيا: الولايات المتحدة تعتبر ان العقوبات المفروضة على العراق حاليا هي فرصة قد لا تتكرر لتحجيم هذا البلد واحتوائه، إن لم يكن السيطرة عليه، بأقل قدر ممكن من الخسائر والتكاليف. ثالثا: من مصلحة الولايات المتحدة تهميش قدرات العراق والابقاء عليه عند مستوى منخفض من الخطر، وبما يدعم استراتيجيتها الرامية إلى احكام السيطرة على منابع النفط. رابعا: وثمة سبب آخر وهو نفسي يعود إلى مكانة الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم، التي لا تحتمل أن تخرج من الصراع الدامي مع العراق، بأقل من هزيمته الكاملة أو انتصارها الكامل. لهذه الأسباب لا يمكن ولا يتوقع من الولايات المتحدة أن تسمح بأي رفع للعقوبات على العراق، حتى في ظل أشد الظروف القانونية والسياسية. ويبدو ان الدول الأخرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، تتفهم أسباب السياسة الأمريكية وان لم تتفق معها كلية. وهو ما يدفعها إلى مقاربة موضوع العقوبات بصورة لا تخرج كثيرا عن جوهر السياسة الأمريكية، وان اختلفت في الوسائل والأساليب. فروسيا على سبيل المثال، وهي الأقرب للعراق، ويفترض أنها الأبعد عن التفكير الأمريكي، هي في الواقع شريك في فرض القرارات الدولية على بغداد، ولا يمكن أن يخرج تصورها لأي مشروع لحل الأزمة العراقية عن اطار هذه القرارات، بما في ذلك تجريده من أي طموح عسكري أو سياسي. ولذلك فهي تركز (في جميع مقترحاتها) على اطار حل توفيقي بين الشروط الأمريكية وما تنص عليه القرارات الدولية ذات الصلة. ويقوم هذا الحل على أساس مزج عنصر المخاطر التي تقول الولايات المتحدة ان العراق يشكلها في حال سمح له بالتملص من العقوبات، مع الحاجات الانسانية والاقتصادية للعراقيين. وينتج عن هذا المزج، الترتيب التالي: سماح العراق بدخول المفتشين الدوليين إلى أراضيه بغرض اجراء تقييم شامل للحالة التسليحية، وبما يؤمن وضع وتشغيل نظام التحقق والرقابة الدائمة على برامجه التسليحية، مع الابقاء على العقوبات في شقها العسكري، وفي المقابل ايجاد آلية زمنية محددة وقانونية تؤمن في النهاية رفع الحصار الاقتصادي والتجاري عن العراق. وهذا المزج يحقق أو يفترض أن يحقق، كما أسلفنا، مطلبا أمريكيا ملحا وهو ذاك المتعلق بحرمان العراق من أي امكانية لامتلاك أسلحة دمار شامل في المستقبل. لكن الولايات المتحدة ترفض مثل هذا الحل (رغم توفيقيته)، ولان استراتيجيتها لم تبن منذ البداية على أساس فرضية رفع الحصار عن العراق، في أي مرحلة من مراحل الأزمة، وإنما تخفيفه وبالقدر الذي لا يمنح قوة أو تعزيزا للنظام العراقي. السيناريوهات البديلة والحال ان السؤال الآن وبعد أن طرحت روسيا مشروعها، هو كيف ستسير الأمور داخل مجلس الأمن؟ أكثر السيناريوهات تداولا هي اما وصول الولايات المتحدة وروسيا إلى صفقة تسمح بتمرير قانون العقوبات الذكية، أو تمتنع بريطانيا عن تقديم مشروع قرارها للتصويت عليه في مجلس الأمن اليوم في حال تم التأكيد من ان روسيا ستلجأ إلى استخدام حق الفيتو. وبدلا من ذلك يتم تمديد العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء ستة أشهر أخرى، كما تطالب بغداد وعدد كبير من الدول (بما فيها الدول العربية) تلافيا لأية أزمات جديدة واحراجات هي في غنى عنها. بالنسبة للصفقة الأمريكية الروسية، إذا تمت، فإنها قد تشمل تدبير وسيلة لتعويض روسيا عن جزء أو كل الديون المستحقة لها على العراق. أو قد تشمل تنازلات أمريكية لروسيا فيما يتعلق بمشروع الدرع الصاروخي. ويبدو لي ان السيناريو الثاني قد يكون هو الأرجح بالنظر إلى عدة عوامل. الأول: انه يتيح للادارة الأمريكية المزيد من الوقت (ستة أشهر) لدراسة الملف العراقي وبلورة سياسة جديدة تجاهه. ثانيا: ان عامل الوقت لا يزعج الولايات المتحدة، على الرغم مما يقال عن نجاح العراق في استثمار علاقاته التجارية مع جيرانه في تخفيف آثار الحصار. ثالثا: ستعتبر هذه المرحلة فترة اختبار لجميع الأطراف، لطرح رؤاها وأفكارها بعيدا عن عامل الزمن الضاغط، وهي عمليا ستكون فترة تجميد للملف العراقي، أكثر منها تحريكا له. رابعا: ستضمن اعادة ضخ العراق لنفطه الذي أوقفه احتجاجا على طرح مشروع العقوبات الذكية في مجلس الأمن. رابعا: ستضمن اعادة ضخ العراق لنفطه الذي أوقفه احتجاجا على طرح مشروع العقوبات الذكية في مجلس الأمن. أي ان مجلس الأمن والمنطقة سيكسبان ستة أشهر أخرى من الهدوء على الجبهة العراقية، أما بغداد فإنها ستكون من بين الرابحين النسبيين (حيث لا يوجد هنا رابحون أو خاسرون بالمطلق)، وهي ستفسر الأمر على انه فشل للمشروع البريطاني الأمريكي .. وهي محقة في ذلك إلى حد لا بأس به. ـ كاتب من البحرين