منذ زمن ليس ببعيد شاهدنا لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة مسلسلاً بعنوان «ضمير أبلة حكمت» منه نقتطف مشهداً حوارياً يخاطب فيه جميل راتب فاتن حمامة، أو «الست المديرة» قائلاً: «طول عمرك كده يا حكمت ما تغيرتيش أبداً»، فتبتسم بهدوء وتسأل بخفَر: «ودي حاجة كويّسة ولاّ لأ؟». وطبعاً يرد جميل راتب الابتسامة بأحسن منها، مانحاً خَفَر السؤال فخْر الاجابة: «كويّسة طبعاً».. ثم يتنهّد لأنه لم يكن مثلها.. والرجل هنا، لا يفعل أكثر من الاستسلام التام للذاكرة العربية والتراث الفكري العربي المبجِّل للثبات وعدم التغير بصورة غير طبيعية، تقترب احياناً من حد الخَبَل. فـ «الذهب لا يتغير» و«المزبلة وحدها التي تترك مكانها عندما تهبّ الريح».. وما إلى ذلك من الأمثلة والأقوال المتسمة بطعم الشعر ونكهته حتى تغدو أكثر وقعاً وتأثيراً. وغنيّ عن القول إن من مزايا الشعر حين يعبّر عن مفهوم معين يرسّخه بشرعية تمنحه قدر استطاعتها ديمومة وبقاء. والسؤال: هل حقاً البقاء على الآراء والرؤى نفسها بالنسبة للفرد أو المجتمع سنين طويلة، يعني حفاظاً على الذاكرة الجمعية والتراث ودليلاً على الأصالة؟ أعتقد أن الأمر يحمل الكثير من الشكوك حوله.. صحيح أن هناك أموراً عدة يجوز أو يجب التمسّك بها وعدم التفريط فيها قيد أنملة في أحايين كثيرة، غير أننا نتحدث بشكل عام وتحديداً عن الأمور غير المتعلقة بالعبادات، فنقول: الثبات على الرأي الواحد إنّما يحيلنا الى يَباس وجماد. وعلينا أن نأخذ الأمور بطريقة أخرى. فكون أفضل ما في الذهب أنه لا يتغيّر ولا يتبدّل.. فتلك صفة لا تُحمد إلا في المعدن.. وهو جَماد. وحين نستدرج هذه الصفة لتتمرّى بها أخلاقيات الإنسان تبدو دميمة وتُظهر الإنسان يابساً ! وإن كان يعيب المزبلة تركها المكان أثناء هبوب العاصفة، فإن النخل أقرب النباتات شبهاً بنا نحن بني البشر.. يتكاثر من أثر الريح التي تنقل رسائل الديمومة من ذكوره إلى إناثه.