إلى أي حد يمكن ان نبني للطموح سقفاً؟ وإلى أي مدى يمكن ان نضع للحلم حدوداً؟ سؤالان من النوع الذي يمكن ان تختلف الاجابة عنهما باختلاف المسئول، اذ عندما يتعلق الأمر بأنفسنا فإن السقف غالباً ما يصبح عالياً إلى الحد الذي يمكن ان لا تراه أعيننا المجردة ولا نحس بوجوده، كما يصبح المدى مفتوحاً للحلم إلى أبعد نقطة يمكن ان يصل إليها الخيال ويتجاوزها أيضاً ! أما إذا ما تعلق الأمر بالغير فإن السقف غالباً ما يدنو ويدنو حتى يكاد يطبق على صاحبه فيكتم انفاسه، كما يضيق المدى وتتقلص مسافاته حتى لا يجاوز مرمى البصر او لا يكاد يبرح أسفل الأقدام. تلك هي طبيعة البشر بما فطرهم الله عليه من حب شديد للخير لا يخرج عن نطاق الذات لدى الكثرة الكاثرة منهم.. يستقلون ما في أيديهم وإن كثر.. ويستكثرون ما في أيدي غيرهم وإن قل. كل ذلك لحكمة أرادها الخالق تظهر لنا حينا، وتغيب عنا أحياناً إذا ما شغلتنا أموالنا وأهلونا فانجرفنا مع مياه نهر الحياة المندفع كالسيل ولم ندرك القواعد والقوانين التي أقام الخالق عليها هذا الكون، ولم نهتد إلى إحداث التوازن بين رغبات نفوسنا الطماعة وحدود الممكن التي غالباً ما تصدمنا عندما تتكسر على صخورها أمواج طموحاتنا وأحلامنا وتتحول إلى رذاذ يتطاير في الهواء. وطالما ان الحلم مشروع للجميع فما الذي يجعلنا نصادر حتى الغير في توسيع رقعته ما دام بعيداً عن حدود المساحات التي نعتقد أنها حق مكتسب لنا ليس لأحد ان يقترب منه؟ إنه الحسد.. تلك الآفة التي دعانا المولى الى الاستعاذة به منها.. أو هو الانتقاص من قدر أناس خلقهم الله كما خلقنا.. غير ان حظوظهم من الرزق والعلم والمكانة الاجتماعية كانت قليلة، فلم تتح لهم الظروف ما يمكنهم من تحقيق أحلامهم وتغيير نظرة الناس إليهم.. ومع ذلك فقد انقسموا الى قسمين: قسم قنع بما هيأ الله له ورضي بحظه ونصيبه من الحياة فلم يسع الى تغييره.. وقسم لم يفقد الأمل فتطلعت نفسه إلى تغيير واقعه وسعى الى تحقيق أحلامه المؤجلة لحين زوال الأسباب. من أحد اولئك الذين يمكن ان نعدهم في القسم الثاني وصلتني رسالة مكتوبة بخط جميل وأسلوب أنيق أخذتها في بداية الأمر بشيء من الطرافة ثم سرعان ما أكبرت طموح صاحبها واصراره على تحقيق حلم حالت دون تحقيقه ظروف مالية وأسرية، ولكنها لم تحل دون طرق الأبواب كلما لاح له أمل أو سنحت فرصة. يقول صاحب الرسالة بعد التحية والتعريف بنفسه: «كانت ومازالت أمنيتي أن أصبح مذيعاً أو مقدم برامج مباشرة، وقد عودت نفسي وحلمت كثيراً بذلك، وكنت أقرأ أخبار الجرائد وكأني أمام التلفاز (يقصد الكاميرا)، وغيرها الكثير من الأحلام، ولكن كما يقال: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. وعندما تخرجت (حاصل على الشهادة الثانوية ـ القسم الأدبي) كنت أحلم بدراسة الإعلام، ولكن جاءت ظروف مالية لوالدي مما أدى الى أني ضحيت بحلمي مقابل مساعدة والدي فتناسيت أمر الدراسة ولم أنس لكي احاول جاهداً المساعدة.. والآن أراني أتحرق شوقاً من جديد لمواصلة ما بدأته بالاحلام بالعمل. لذلك أرسلت هذا الخطاب لكي تساعدني. كما أفيدك علماً بأني راسلت الجامعات والمعاهد من أجل اكمال الدراسة ولكن بغير جدوى، مع العلم أني هاو لتلك المهنة.. وصدقني لولا أنني حريص على ذلك لما أرسلت لثلاث جامعات عربية وعدة معاهد، وآخرها هو مركزكم الاعلامي (يقصد مركز التدريب الاعلامي بـ «البيان»). قد تساعدني بعدة أشياء.. فلو أخبرتني بعناوين جامعات أو مراكز أو معاهد تهتم بهذا الأمر من خلال الانتساب أو المراسلة.. أو من خلال مركزكم فأكون شاكراً أو ممتناً. و«على فكرة» لقد أرسلت لقناة..... و.... ولكن لا فائدة. وإن ما يزيدني أسى وحزناً ويزيد الطين بلة هو عملي، فلو علمت ما هو عملي فقد تزداد حرصاً على مساعدتي «إن شاء الله». إنني أعمل في مؤسسة للمعدات الصناعية الثقيلة بوظيفة «حمال» مواد ومعدات براتب قدره 200 دولار.. وأعمل حوالي 12 ساعة يومياً.. وقد لا تتخيل مقدار التعب.. وبالأمس وأنا أتصفح جريدة (......) وجدت إعلاناً لكم (يقصد للمركز) عن إعداد دورات إعلامية خطابية للإعلاميين، ومن هذا المنطلق أحببت عرض موضوعي عليكم.. فإذا استطعتم مساعدتي فأرجو الرد بأسرع ما يمكن لإنقاذي فالوضع متأزم والكيل طفح، وإن لم يكن بمقدوركم فالرجاء عدم تجاهلي وارسال ردكم لكي أقنع نفسي بالواقع الذي أنا فيه وأربط على نفسي وقلبي وأصبر لأني قد طرقت جميع الأبواب فلم أجد باباً فتح لي، وبابكم ـ بعدالله ـ آخر ما أطرق...». بوادر اليأس التي تبدو في الجزء الأخير من الرسالة رد فعل طبيعي واحساس لا يستمر عادة سببه تعدد المحاولات مع الاخفاق المتكرر بعد كل محاولة للخروج من الواقع المفروض على صاحبها الذي لم يتعد الثالثة والعشرين كما ذكر في رسالته.. اي بعد خمس سنوات تقريباً منذ أن أنهى دراسته الثانوية.. ولذلك فإن خير ما يقال لصاحب الرسالة ان من يحمل مثل هذا الإصرار على تحقيق الحلم هو لاشك قادر على الوصول إلى الهدف الذي يسعى إليه.. وإذا كانت كتفاك قد ناءتا بحمل الأثقال التي أنت مكلف بحملها فإن نفسك لم تنأ بحمل الأمل الكبير الذي يسكنها.. ليس عيباً أبداً ان تبدأ حياتك «حمالاً» فأحد أكبر مليونيرات القرن العشرين وأكثرهم شهرة بدأ حياته حمالاً في ميناء، وكافح حتى أصبح اسطورة من أساطير القرن وغدا اسمه على كل لسان ولم يعد هناك من يجهل اسم او سيرة المليونير اليوناني الأكثر شهرة «اوناسيس». لست مطالباً بالطبع ان تصل بأحلامك لما وصل اليه «أوناسيس» وإن لم يكن هناك ما يسلبك الحق في ذلك.. ولكن المطلوب مني ومنك ألا ننظر الى ما تحت أقدامنا وننشغل بعد آثار الخطوات التي خلفناها وراءنا.. فالذين يفعلون ذلك غالباً ما تتعثر أقدامهم وينكبون على وجوههم لأنهم لا يتبينون معالم الطريق جيداً أمامهم فتعرقل سيرهم الأحجار الصغيرة ويقعون في الحفر غير العميقة.. أما اولئك الذين يسيرون مرفوعي الرؤوس متطلعين الى الأمام فهم وحدهم الذين يتفادون الصخور الكبيرة والحفر العميقة ولا ينال التعب من نفوسهم حتى وإن نال من أجسامهم.. فلعلهم هم الذين قال فيهم شاعرنا العربي الكبير أبو الطيب المتنبي: وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام