الخسائر الاقتصادية التي يتكبدها الشعب الفلسطيني كنتيجة للانتفاضة والقمع الاسرائيلي لاشك في جسامتها. لكن ما لحق بالاقتصاد الاسرائيلي ادهى وأمر. هذا ما ترويه لنا صحيفة «هيرالد تربيون» الامريكية. وعندما نطالع وقائع هذا التقرير المهم نستطيع ان نفهم لماذا قررت الادارة الامريكية التدخل بقوة في مشهد الشرق الاوسط الدموي بعد ان اقسم جورج بوش الابن على النأي بادارته بعيدا والاكتفاء بتقديم نصائح الى الطرفين المتصارعين. بنية الاقتصاد الاسرائيلي تقف على ثلاثة ركائز اساسية: السياحة والزراعة والصناعة.. وكلها تلقت اصابات حرجة نتيجة لتفاعل الانتفاضة الفلسطينية وتداعياتها داخليا وخارجيا. وتقرير «هيرالد تربيون» يتحدث بلغة الارقام.. فيروي لنا ان النشاط السياحي الى اسرائيل تراجع خلال شهور الانتفاضة بنسبة 58 في المئة. وحتى السياح والزوار اليهود من اوروبا والولايات المتحدة وكندا الذين كانوا يقصدون «ارض الميعاد» أفواجا مع اقتراب الصيف كل عام فضلوا هذه السنة البقاء بعيدا من فرط الخوف على السلامة الشخصية. ولهذا اضطر اصحاب 25 فندقا اسرائيليا الى اغلاقها. وانعكس هذا بدوره على نشاط شركة الخطوط الجوية الاسرائيلية «العال» بدرجة خطيرة. كانت «العال»، سنة وراء سنة، تشكو من ازدحام قوائم الانتظار لرحلاتها من عواصم العالم واليها مما دفعها قبل عام الى التقدم بطلبات لشراء طائرات ركاب جديدة. اما اليوم فإن «العال» اضطرت لالغاء الكثير من سفرياتها، بل وشرعت في بيع بعض ما تملك من طائرات «الجمبو» بالاضافة الى تسريح مئات من العاملين لديها. وانعكس الكساد السياحي كذلك سلبا على حركة البنوك الاسرائيلية. فللمرة الاولى بدأت البنوك تعلن عن خسائرها عندما نشرت بياناتها الرقمية عن الربع الاول من هذا العام. لقد ظللنا نتابع بأسى الاخبار والتقارير الاعلامية التي تعكس لنا التراجع المعيشي المستمر للاسر الفلسطينية بسبب الاجراءات العقابية للحصار الفلسطيني ومن بينها منع عشرات الالوف من العمال الفلسطينيين من العبور الى داخل اسرائيل حيث يمارسون اعمالا هناك.. ففقدوا مصادر دخولهم نتيجة للحظر الاسرائيلي. لكن «هيرالد تربيون» تعكس لنا الوجه الاخر للصورة. فغياب العمالة الفلسطينية عن المزارع الاسرائيلية ادى للاضرار بالقطاع الزراعي الاسرائيلي.. والنتيجة هي تراجع الصادرات الزراعية الاسرائيلية بنسبة 32 في المئة. اما في قطاع الصناعة فيقول التقرير ان قطاع الصناعات التكنولوجية الحديثة يتراجع سراعا مع قيام المستثمرين الاجانب من اوروبيين وامريكيين بتصفية اعمالهم وتهريب رؤوس اموالهم الى الخارج. وبايجاز فان التدهور يطال كافة قطاعات الاقتصاد الاسرائيلي لدرجة ان معدل النمو الاقتصادي هبط الى مستوى 2 في المئة فقط بينما كانت النسبة المتوقعة قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في اواخر سبتمبر الماضي هي 4.5 في المئة. كل هذه الخسائر المتصاعدة وعمر المقاومة الشعبية الفلسطينية لم يتجاوز تسعة أشهر، فكيف اذا تواصلت لتسعة أشهر أخرى؟ مع تصاعد اعتمادات الانفاق على «الدفاع» والامن في الميزانية العامة الاسرائيلية على خط مواز للتدهور الزراعي والصناعي والسياحي والمصرفي فان النتيجة سوف تكون بالقطع انهيارا اقتصاديا شاملا يضاف الى استمرار انتشار الرعب بين قطاعات المجتمع الاسرائيلي. لهذا كان التدخل الامريكي الفجائي في المشهد من اجل انقاذ اسرائيل من مصير محتوم. الانتفاضة اذن يجب ان تتجدد لتنسف وهم «التهدئة» و«تثبيت وقف اطلاق النار».