واذا كانت الصين تعتبر نفسها هدفا رئيسا من اهداف المشروع الامريكي، فإن كوريا الشمالية هي ذريعته الكبرى بعدما اثبتت قدرتها على انتاج صواريخ بالستية كما تملك برنامجا للاسلحة النووية لا يستهان به. ومع ان بيونج يانج لم تدع يوما أنها يمكن ان تكون ندا للولايات المتحدة او تهديدها بأي شكل من الاشكال برغم لهجتها السياسية والايديولوجية المرتفعة فقد وضعتها الادارة الامريكية على لائحة الدول «المارقة» ولعل الصاروخ الكوري الذي انطلق فوق اليابان قبل نحو عامين حتى وإن كان ذلك حدث عن طريق الخطأ اعطى للذريعة الامريكية بعدا واقعيا لا سيما بالنسبة لدولة حليفة كاليابان بالاضافة الى مصالح استراتيجية تدعيها الولايات المتحدة في آسيا والشرق الاقصى. ولأن كوريا الشمالية بدت مستهدفة من الادارة الامريكية على نحو مباشر فقد جاء رد فعلها على البرنامج الدفاعي الامريكي عنيفا اذ اعلن مندوبها لدى الامم المتحدة لي هونج كول: «لأن الولايات المتحدة بدأت محاولات تعزيز النظام الدفاعي الصاروخي من دون سبب وتحدت المعارضة الدولية لهذا النظام فإن اجراءاتنا المضادة ستكون بلا قيود حتى ولو كان ذلك يعني سباقا للتسلح بين كوريا الشمالية و الولايات المتحدة وإلغاء كل الاتفاقات الاخرى». ثم خطت ادارة الرئيس بوش خطوة اخرى في اتجاه التصعيد، حيث اوقفت المحادثات التي كان الرئيس كلينتون قد بدأها مع القيادة الكورية في شأن انهاء البرنامج الصاروخي لكوريا الشمالية. وكانت الجهود الدبلوماسية التي بذلها الرئيس الامريكي السابق قد اسفرت عن التوصل الى مذكرة تفاهم بين الجانبين ينتهي مفعولها عام 2003 تعهدت فيها بيونج يانج بإنهاء برنامجها الصاروخي والنووي مقابل حصولها من الولايات المتحدة على مفاعلين نوويين لاستخدامها في الاغراض السليمة بالاضافة الى تقديم بعض المساعدات الاقتصادية. لكن ادارة الرئيس بوش اوقفت المحادثات الجارية بين البلدين في شأن هذا التعاون واعتبرت مذكرة التفاهم بمثابة المجمدة. وردا على ذلك اعلن مسئولون كوريون ان بيونج يانج لن تلتزم بدورها بمذكرة التفاهم التي تم التوصل اليها قبل عامين في شأن الاختبارات الصاروخية الا اذا اعطت ادارة الرئيس بوش اشارات الى انها ستواصل تطبيع العلاقات. كما هدد ضباط كبار في الجيش الكوري الشمالي باستئناف برنامج الاسلحة النووية، اذا لم تنفذ واشنطن تعهداتها ببناء المفاعلين النوويين السلميين اللذين تم الاتفاق في شأنهما مع الادارة الامريكية السابقة. والحلفاء يعارضون ايضا على ان معارضة البرنامج الامريكي لا تقتصر على الدول المذكورة بل تتعداها الى دول حليفة للولايات المتحدة وفي مقدمها كندا وألمانيا وفرنسا. وقد اعرب وزير الخارجية الكندي جون مانلي عن خشية اوتاوا من ان يؤدي البرنامج الدفاعي الصاروخي الامريكي و كذلك الغاء معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ «اي.بي.ام» الى اطلاق سباق جديد للتسلح. وقال ان الدرع الصاروخية الامريكية «ستزيد من الخطر الذي تشكله الاسلحة النووية ولن تحد منه». وفي ألمانيا حذر المستشار جير هارد شرويدر من الاخلال بتوازن الاسلحة الصاروخية في العالم. وقال ان العالم، خصوصا اوروبا، يحتاج الى علاقة متينة مع روسيا ومن المهم المحافظة على الانجازات التي تحققت في مجال نزع التسلح، مثل معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الموقعة بين واشنطن وموسكو عام 1972. أما فرنسا، التي تتخذ موقفا معارضا من البرنامج الأمريكي، فقد فضلت استخدام اسلوب هادئ في معالجة الموضوع ووجدت ان اجتماعات حلف شمال الاطلسي تعد مكانا مناسبا لمناقشة هذا الأمر. ونتيجة لهذه التوجيهات المناوئة للخطط الأمريكية فقد فشلت واشنطن في حمل شركائها الاطلسيين على تبني وجهة نظرها في شأن مسألة الدرع الصاروخية. واتفق أعضاء الاطلسي خلال اجتماعهم في بودابست، نهاية مايو الماضي، على مواصلة المشاورات في العمق مع واشنطن. وخلا البيان الصادر عن الاجتماع من الاشارة إلى ان خطر الهجمات الصاروخية أمر ممكن وعادي، بحسب ما كان يطالب الرئيس الأمريكي جورج بوش. والمقصود بذلك الذريعة الامريكية التي تبرر بها واشنطن برنامجها المثير للجدل. ذلك ان الدول الأوروبية تعتبر هذه الذريعة من النوع المبالغ فيه كثيرا. أهداف أمريكية متعددة يجمع الخبراء والمحللون على ان ادارة الرئيس جورج بوش تطمح إلى تحقيق عدد من الانجازات الاستراتيجية عن طريق درعها الصاروخية، حتى ولو أدى ذلك إلى اطلاق يد المؤسسة العسكرية الامريكية والشركات الكبرى المتخصصة في صناعة السلاح وافساح المجال أمامها للتحكم في مستقبل البشرية، من خلال جر مختلف الدول للتركيز على برامج التسلح بدلا من برامج التنمية. ويتوقع الخبراء، بعد استكمال بناء الدرع الصاروخية ومهما كانت درجة دقتها في اعتراض واصابة الأهداف الخارجية، احداث خلل كبير في النظام الاستراتيجي العالمي، بحيث تصبح الولايات المتحدة في وضع يتيح لها توجيه ضربات إلى أية دولة في العالم من دون أن تخشى ردا مماثلا. وهو ما يجعلها الطرف الأقوى، دون منازع، وبالتالي تغدو قادرة على ممارسة أنواع مختلفة من الضغط لفرض قراراتها ومواقفها على الجميع بدون استثناء. والنتيجة الثانية المتوقعة، هي ان تسعى واشنطن إلى بيع نظامها الصاروخي إلى من تسميهم أصدقاءها ومن يقع تحت مظلة حمايتها. ويمكن أن تشمل هذه اللائحة دولا كاليابان وتايوان وكوريا الجنوبية، وأخرى في منطقة الشرق الأوسط كتركيا واسرائيل، فضلا عن دول اطلسية، لا سيما بعد أن أسقطت عن درعها الصاروخية صفة «الوطني» لتجعل منها «عالمية». وهي بذلك لا تحقق فوائد مادية مباشرة فحسب عن طريق حصول مؤسساتها الصناعية على عشرات المليارات من الدولارات، بالاضافة إلى نفقات المرحلة الأولى من النظام الصاروخي التي تقدر بنحو 60 مليار دولار، بل ستعيد ربط عدد كبير من الدول بها، من خلال نظام الحماية الجديد. وبهذا تعيد واشنطن تقسيم العالم على أساس من يقع تحت مظلتها الأمنية، ومن يعتبر «مارقا»، أي من يناصبها العداء، أو يرفض حمايتها على الأقل. ـ كاتب لبناني