هدأت العاصفة التي أثارتها صحيفة الفضائح (النبأ) بنشرها صورا لراهب قبطي سابق وهو يمارس انحرافاته الجنسية زاعمة أن هذا تم في أحد أشهر الأديرة القبطية التي يقصدها المصريون على سبيل التبرك، فإذا بالصحيفة تقول إن الدير قد تحول إلى بيت للدعارة !! سقوط الصحيفة كان فاحشا، وردود الفعل كانت قوية، ومسئول الصحيفة وصاحبها يواجه الآن المحاكمة السريعة بعد فصله من نقابة الصحفيين، والصحيفة تعطلت في انتظار حكم قضائي بشأن إغلاقها نهائيا، والأحداث رغم خطورتها أثبتت حقائق عديدة. أولا هذا الإجماع الرائع من شعب مصر المسلمون قبل الأقباط.. على رفض ما حدث من الصحيفة الفاضحة، لم يشذ صوت واحد.. من الأزهر الشريف إلى الأحزاب السياسية، ومن جماعة الاخوان المسلمين إلى جماعة الشيوعيين (والاثنتان محظورتان) ومن اليسار إلى أقصى اليمين.. الكل أدرك بشاعة ما حدث وضرورة التصدى له من الجماعة الوطنية بكاملها. وهذا ما حدث، وهذا ما ساهم في تطويق الفضيحة التي كان يمكن أن تتحول إلى كارثة. وثانيا هذا الإصرار المشبوه من بعض الاعلام الخارجي ومن بينه للأسف الشديد بعض الفضائيات العربية على محاولة إشعال الموقف بالحديث عن فتنة طائفية وعشرات الألوف التي خرجت إلى الشوارع في مظاهرات صاخبة، ونداءات الغضب تستنجد بأمريكا وربما فالأمر لم يكن يتعلق بفتنة طائفية، ولابصدام بين مسلمين وأقباط، بل كان يتعلق بخطأ فردي من واحد ضل طريقه للصحافة المصرية واصبح في ظروف مشبوهة صاحب صحيفة ورئيس تحرير لا تعرف صحيفته إلا لغة الفراش ولا تتعامل إلا مع النصف الأسفل في القارئ، ولا تعرف معنى الإلتزام الأخلاقي أو الوطني. وهكذا ارتكب جر يمته الصحفية، وليس في حق المجتمع كله بمسلميه وأقباطه معا.. فكان التصدي له ولمحاولات استغلال جريمته في شق الصف الوطني. والأمر لم يكن فيه اشتباكات بين الشرطة وعشرات الآلاف من الأقباط الذين خرجوا في مظاهرات تجوب شوارع القاهرة كما اتحفتنا بعض الوكالات الأجنبية وبعض الفضائيات العربية. بل كان تجمعا للاقباط الذين انزعجوا مما نشر ولهم كل الحق كما انزعج المسلمون، فذهبوا إلى مقر البابا شنودة في الكنيسة الكبرى ليعرفوا الحقيقة. والرجل بكل المسئولية والحس الوطني أفهمهم أنه تلقى ما يؤكد انزعاج مصر كلها رسميا وشعبيا لما حدث، ودعا إلى الهدوء مؤكدا اطمئنانه إلى أن المخطئ لن يمر بغير حساب على قدر ما ارتكب من جرم في حق الوطن. وكان من الممكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد لولا الغفلة والإهمال الذي أتاح لصحفي الفضائح أن يستغل امتلاكه لترخيص آخر بصحيفة يومية أخرى تحمل اسم (آخر خبر) وامتلاكه لمطبعة خاصة واسطول سيارات التوزيع.. فيصدر عددا من الصحيفة الأخرى يواصل فيها جريمته فيشعل الموقف مرة أخرى. ومع ذلك، فقد تعاملت قوات الشرطة مع الموقف بتعقل، ودون استخدام للقوة، وتكذيب كل الجهود من الكنيسة والأمن والقيادات الشعبية حتى هدأ الموقف. ومع ذلك علينا أن نسمع ونرى أنباء تبثها وسائل الاعلام الخارجية عن العداوات وصلت إلى حد ترديد أقوال بعض المعتوهين من أقباط المهجر في أمريكا عن استخدام الشرطة المصرية للرصاص المطاطي في مواجهة (انتفاضة) الأقباط !! الأمر الثالث بين ما أكدته الأحداث هو اليقين بأن مصر مستهدفة في أعز ما تملكه وهو وحدتها الوطنية، وإذا كان البابا شنودة نفسه قد أشار إلى أصابع أجنبية وراء ما حدث من صحيفة (النبأ) وهو أمر مازال محل تحقيق، فإن المؤكد أن هناك حالة تربص من جهات أجنبية مشبوهة، ومن دوائر صهيونية أو مرتبطة بالمخابرات الأمريكية.. تحاول تصعيد أي واقعه لإشعال الموقف في مصر، ولبث الفتنة بين المسلمين والأقباط، ولمواصلة المزاعم عن اضطهاد الأقباط في مصر، واستغلال ذلك في الضغط على الحكم في مصر، في محاولة لتعديل مواقفه السياسية لتتطابق مع المواقف الأمريكية، وهو أمر مستحيل خاصة إذا تعلق الأمر بالحقوق العربية في استعادة كامل الأراضي التي تحتلها إسرائيل، أو في إنهاء حصار التجويع على العراق، أو في مواجهة مؤامرات تقسيم السودان. والحقيقة الرابعة التي أكدتها أحداث الأيام الماضية هي أن الفراغ السياسي السائد لايمكن أن يستمر.. وإذا كنا قد توقفنا في الأسبوع الماضي عند ظاهرة لجوء الأقباط عند وقوع أي حدث كما حدث في الواقعة الأخيرة إلى الكنيسة وليس إلى التنظيمات المدنية أو الأحزاب السياسية، فإن ذلك في حقيقة الأمر ليس تعبيرا عن رغبة الكنيسة في لعب دور سياسي، وإنما عن عجز السياسيين عن أداء دورهم الطبيعي وعجز الأحزاب عن أن تكون وعاء لحركة المجتمع بكل تنوعاته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.. والدينية. إن تراجع الحياة السياسية واختفاء الأحزاب السياسية ترك الساحة خالية، ومع الأزمة الاقتصادية وبطالة الشباب تصاعد الخطاب الديني، وجود التطرف الديني في جانب لابد أن يقابله تطرف على الجانب الآخر.. فما بالك إذا كان هذا هو المطلوب من جهات أجنبية مشبوهة تدفع الأمور إلى الانحراف في الجانبين وتحاول جاهدة زرع الإنقسام الطائفي في مصر. ولولا تراث عظيم تملكه مصر في التسامح، ولولا أن طبيعة شعب مصر ترفض التطرف وتمقت التعصب، ولولا دور وطني عظيم على مدى التاريخ للأزهر الشريف وللكنيسة المصرية. لكان الأمر غير الأمر. لكن الارتكان إلى التاريخ وحده لا يكفي. والإصلاح السياسي الذي يفرز أحزابا تضم المسلمين والأقباط معا وتكون هي المعبر الحقيقي عن حركة المجتمع أصبح ضرورة لايمكن تأخيرها. والحقيقة الخامسة أن انكسار التيار القومي كان كارثة للعرب جميعا ومصر في القلب وفي المقدمة. لقد عاشت مصر في النصف الأول من القرن الماضي تجربة ليبرالية، ورغم أنها انتهت بإفلاس حزبي كامل مهد لطريق الثورة.. فإن هذه التجربة شهدت منذ ثورة 19 إندماجا من الأقباط في الحياة السياسية ومشاركة فعالة في التجربة الحزبية. ومع ثورة يوليو، ومع اندلاع المعارك ضد الإحتلال البريطاني، وضد محاولات الهيمنة الأمريكية والعدوان الإسرائيلي وضد التخلف والفقر، ومن أجل العدالة والوحدة العربية.. انصهر الشعب بكل فئاته في ملحمة من النضال.. من التحرير إلى استعادة قناة السويس، إلى بناء السد العالي، إلى التصنيع، إلى تعويض الطبقات الفقيرة عن سنوات الحرمان الطويلة، إلى بناء مجتمع الكفاية والعدل إلى طريق الوحدة العربية بكل ما فيه من عقبات ونجاحات ووعود رائعة. مشروع النهوض القومي جمع الكل، وإنصهر فيه المسلمون والمسيحيون، ورغم الحرب الشرسة التي قامت في مواجهته والتي استهدفت إثارة مخاوف المسلمين من النزعة التقدمية للمشروع، وإثارة مخاوف المسيحيين من سيطرة المسلمين إذا تمت الوحدة، ورغم ذلك فقد صمد المشروع حتى جاء زمن الإنكسار، وغاب المشروع القومي بين دعاوي القطرية التي أصبحت الآن مهددة بما هو أخطر.. وهي الإنقسامات الداخلية ودعاوي التجزئة المشبوهة المدعومة من الخارج في الجزائر والسودان والعراق والتي تريد أن تمتد إلى كل قطر عربي لتخلق واقعا جديدا تكون إسرائيل فيه هي القوة الأكبر وتكون المصالح الأمريكية آمنة ولو على حساب العرب.. أو العرب السابقين إن إعادة الحياة للمشروع القومي العربي وتحديثه ليكون قادرا على مواجهة التحديات الجديدة هي مهمة عاجلة وحيوية.. لأن البديل لن يكون أقطارا عربية غنية أو فقيرة تتمتع باستقلالها وتسعى للمزيد من التقدم كما يتصور البعض، وإنما البديل سيكون دويلات صغيرة متفتتة لا تملك من أمرها شيئا، أو دولا تفرق في الحروب الاهلية والفتن الطائفية بلا أمل في أي مستقبل. والحقيقة السادسة أن الأزمة التي أثارتها صحيفة (النبأ) تعكس واقعا صحفيا أصبح في حاجة ماسة إلى اعادة التنظيم.. وإذا كان البعض يريد أن يستغل هذه الحقيقة من أجل فرض المزيد من القيود على الصحافة أو المزيد من العقوبات على الصحفيين.. فإن ذلك هو أبعد الأشياء عن الإصلاح المطلوب. إن الإصلاح المطلوب يقتضي إ عادة النظر في صيغة المؤسسات الصحفية القومية التي تهيمن على السوق الصحفية في مصر، هذه المؤسسات التي لم يعد يعرف أحد من مالكها الحقيقي ؟ ولا كيف تدار ؟ ولا كيف يأتي المسئولون عنها ويذهبون (وإن كانت الحقيقة أن أحد لا يذهب) أن هذه المؤسسات أصبحت في حاجة ماسة لمراجعة أوضاعها لتستعيد عافيتها وتواجه التحديات التي يفرضها عليها الواقع الجديد في مصر والعالم.. والرؤى موجودة، والحلول تنتظر الحوار حولها، ويبقي القرار الذي نظن أنه تأخر والإصلاح المطلوب يقتضي فتح الباب لصحف حقيقية تحتاجها مصر والعالم العربي، وتملك القاهرة كل الإمكانيات المادية والبشرية لإصدارها. ومع ذلك توضع القيود في وجهها في حين يستطيع السيد (مهران) أن يحصل بكل سهولة على ترخيص صحيفته الأسبوعية (النبأ) ويحولها إلى نشرة للفضائح والأكاذيب فتكون النتيجة أن يكافئة المجلس الأعلى للصحافة بإعطائه ترخيصا جديدا بصحيفة يومية.. لتعم الفائدة وينتشر الخير على الجميع. والإصلاح المطلوب يقتضي مراجعة حكاية (الصحف القبرصية) التي أزدحمت بها السوق المصرية، والتي يحصل فيها البعض على تراخيص إصدار الصحف من قبرص غالبا ومن لندن وغيرها أحيانا، ثم بشئ من تفتيح المخ يتم الطبع في مصر، وتحصل على الرضا السامي مادامت تنشر قصائد المدح لبعض الوزراء، ومادامت تبتعد عن أي حديث جاد في قضايا الوطن وتتفرغ للنميمة والتفاهات والفضائح. لقد كانت النتيجة أن هذه الصحف التي يمتلك بعضها تجار خردة وعاطلين وجهلاء أو أنصاف متعلمين تحولت إلى نشرات إبتزاز للفنانين والفنانات من ناحية ولرجال الأعمال من ناحية أخرى. والقصص كثيرة والسؤال الذي كان يتردد دائما.. من يحمى هذه الصحف ؟ ولماذا السكوت على إبتزازها ؟ وكيف يتم التحايل على كل القوانين لتستمر في الصدور وهي تحمل أسماء مكوجية ونقاشين كروؤسا ءتحرير ؟! والإصلاح المطلوب يقتضي مراجعة القوانين المتعلقة بالنشر.. لا بهدف تشديد العقوبات وزيادة القيود على الحريات كما يطالب المتربصين بالصحافة، بل على العكس بإطلاق الحريات وإسقاط العديد من القيود على إصدار الصحف، والقضاء تماما على ظاهرة الصحف القبرصية، وتقديم الدعم الممكن للصحف الجادة، وإتاحة الفرصة الكاملة لطرح كل القضايا ومناقشة كل الأوضاع.. دون حساسية وبلا خوف. إننا لا نتحدث هنا عن صحافة في مرحلة الطفولة والعبث..بل عن صحافة عمرها أكثر من 200 سنة صنعت خلالها تاريخا عظيما، وخاضت فيها معارك الوطن بشجاعة، وحملت للأمة العربية والإسلامية رسالة التنوير وثقافة الحرية إننا نتحدث عن تاريخ رائع وأسماء خالدة من عبد الله النديم والأفغاني ومحمد عبده إلى العقاد وطه حسين إلى هيكل وأحمد بهاء الدين، ونتحدث أيضا عن تاريخ جديد لايمكن أن يكون كاتبوه من صنف صاحب (النبأ). ولا نريد بعد أن تهدأ العاصفة أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه.ومن هنا فإن مؤتمرا عاما للصحفيين لابد أن ينعقد بعد الإنتخابات التي تجرى هذا الأسبوع في نقابة الصحفيين لكي يضع بموضوعية كاملة ما هو مطلوب ولكن يستثمر حالة الاجماع الوطني التي برزت في الأزمة الأخيرة لكي يضع أمام الجميع خطوات الإصلاح الذي يطالب به الصحفيون منذ سنوات، والذي كانت نتيجة تجاهله هذه الفوضى التي تشهدها السوق الصحفية في الفترة الأخيرة. وفي إنتظار هذا المؤتمر الذي نرجو ألا يتأخر كثيرا.. فلتصمت أصوات المتربصين بالصحافة المصرية،وليستعيد الجميع من أجل جولة جديدة تتوحد فيها الصفوف من أجل المزيد من الحريات والمزيد من المسئولية. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية