أبت العولمة بكل ما تحمله من وجوه، ومرادفات إلا وأن تتداخل في نسيج الشعر وأسراره ولغته وتفاصيله الدقيقة، ولم تستثن من ذلك نوعاً معيناً، فقد عجّت كثير من مواقع الانترنت والبوابات المتناثرة هنا وهناك في إدخال المتصفح في تلك العوالم الشعرية بشكليها الفصيح والنبطي وبذلك طيرت القصائد إلى مشارق الأرض ومغاربها دون عناء، ودون الحاجة الى طباعة ديوان شعري وإهدار الأموال الكثيرة في نشر أنواع الثقافة المختلفة.. ولم تقف إفرازات العولمة عند هذا الحدّ، بل طرحت في الاسواق برامج خاصة لوزن الشعر وكتابته ليصبح في متناول أي شخص، سواء كان يقرض الشعر أو يحفظه، أو لا يعرف فنونه، ان ينسج قصيدته الخاصة، مدحاً كانت أم ذماً.. بل ويذهب الى السوبرماركت أو المكتبة ليجد على رفوفها موسوعات عملاقة عبارة عن قرص مدمج نقشت فيه ملايين الكلمات وملايين القصائد قديمها كان أم جديدها. هكذا رسمت العولمة بكل ما تحمله من قوة في هذا الزمن نفسها على الاشياء صغيرها وكبيرها، وبعد ان كانت القصيدة هي سيدة الزمان والمكان والحدث دخل الانترنت نسيج الحياة فغير اشكال التواصل والتلاقي. وحتى لا أقف عند حدود الانترنت اعود للوراء في العصر الجاهلي حيث تطرح القصيدة نفسها فتجوب كلماتها أنحاء الدنيا لقوتها وسلاستها وتسيدها الزمن الجميل، فنرى المسيّب بن علس يقول: فلأهدينَّ مع الرياح قصيدةً مني مغلغلةً إلى القَعقاع تردُ المياه فما تزال غريبةً في القوم بين تمثّلٍ وسماع فالقصيدة التي بعثها الى القعقاع تطير كالرياح متغلغلة، ساكنة قلوب الناس، متواصلة من ماء إلى ماء ومن مكان إلى آخر ومن فم إلى فم. ولأن الشعر الذي يعبر عن الناس ويدخل في حكائيتهم وهمومهم وميدانهم ومجتمعهم يكون أكبر وقعاً على النفس، فقد قرأنا يوم الخميس الماضي، وبالتحديد في «بيان 2» شعراً نبطياً لذيذاً يحمل نكهة خاصة وحكاية مثيرة حدثت في دائرة الاراضي والاملاك كان بطلها البريد الالكتروني الذي فرضته العولمة ليعبر على وجهها، ومحركها الشعر والشعراء، وهذا دليل واضح على ان الشعر بكل ما يحمله من فن ورؤى وعاطفة ونقد، عبارة عن رسالة مكثفة واضحة ومؤثرة في كيان الانسان العربي، لا تهزمه في ذلك لا عولمة ولا حديد ولا تيارات جديدة! ويبقى الشعر ذو الطابع الشعبي الخفيف محبباً ومحفوظا في ذاكرة الناس، سواء كان مدحاً أو ذماً. ونعود هنا إلى عهد قديم فنشير إلى ما أخذ جرير من عبدالملك في قصيدته الحائية حين انشدها بين يديه، فيقال انه أمر له بمئة ناقة حلوب، وبثمانية من الرعاة، لما عرف من روعة القصيدة، وانها ستذيع على كل لسان لجمال موسيقاها. وكان جرير والفرزدق والأخطل وغيرهم آنذاك اشبه ما يكونون بالصحف ووسائل الاعلام والقنوات الفضائية والانترنت في عصرنا الحالي. وقد صور ابن سلام حين سأله سائل أي البيتين في مديح عبدالملك والأمويين أجود؟ بيت جرير في قصيدته الحائية: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بُطونَ راح أم بيت الأخطل: شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس احلاما إذا قدروا فقال: بيت جرير أحلى وأسير، وبيت الأخطل أجزل وأرزن، فقال له السائل: صدقت. وتروي العرب ان الحكم بن عبدل الشاعر الكوفي، تعرض لمحمد بن حسان بن سعد والي الخراج بالكوفة يسأله أن يضع عن شخص ثلاثين درهماً من خراجه فرده مغضباً ، وإذا هو يرميه بقصيدة من هجائه اللاذع يقول فيها: رأيتُ محمداً شرهاً ظلوماً وكنت أراه ذا ورعِ وقصدِ يقول: أماتني ربّي خِداعاً أمات اللهُ حسان بن سعدِ وذاعت القصيدة في كل أركان الكوفة، وعلى جميع الألسنة حتى كان المكاري يسوق بغله أو حماره فيقول: «عدّ: أمات الله حسان بن سعد» وحدث ان خطب محمد بن حسان فتاة من اسرة كريمة هي أسرة قيس بن عاصم أحد سادة تميم في الجاهلية والاسلام، وسمع بذلك ابن عبدل فأفسد الخطبة بأشعار منها قوله: وما كان حسان بن سعد ولا ابنه أبو المسك من أكفاء قيس بن عاصم خذي ديةً منه تكن لك عدة وجيئي إلى باب الأمير فخاصمي وأنفت الفتاة ان تتزوج محمد بن حسان مهجي ابن عبدل، وانفت لها عشيرتها وردّته ردّاً قبيحاً. وبعيداً عن الذم والمدح نشير إلى أن المفردة السهلة تصبح أكثر التصاقاً في ذاكرة الناس واكثر تداولاً، فها هو الشاعر إبراهيم طوقان يجسد معاناته وما يقاسيه في الوسط التعليمي من خلال تجربته في هذا الميدان فيقول عندما وجد أن تعبه وسهره يضيع سدى: وأكاد أبعث سيبويه من البلى وذويه من أهل القرون الأولى فأرى حماراً بعد ذلك كله رفع المضاف إليه والمفعولا لا تعجبوا إن صحت يوماً صيحةً ووقعت ما بين الكراسي قتيلا يا من يريد الانتحار وجدته إن المعلم لا يعيش طويلاً وهكذا تسري المفردة السهلة والقصيدة المحلاة بنكهة خاصة إلى أقاصي القلوب فتحفظ وتنشر وتتواصل قرناً بعد قرن بفضل عولمة الشعر مدحاً كان أم ذماً.