بينما كان البرنامج التلفزيوني التوثيقي المسمى «المتهم» يتحول تلقائيا اثناء بثه من قنوات «بي. بي.سي» الى مرجع تاريخي يعتد به، كانت المحطات التلفزيونية في انحاء العالم العربي تتبارى في بث اغاني «الفيديو كليب» والافلام الهابطة والندوات الكلامية الفارغة. ان برنامج «المتهم» يعكس لنا كيف يمكن استغلال الاعلام ليكون مصدراً اساسياً للمعرفة الموثقة ورافداً معلوماتياً راقياً ونوعياً كأحدى أدوات التثقيف الجماهيري غير الرخيص أو المبتذل. فلماذا لا يقتدي الاعلام العربي بهذا النموذج الفريد؟ برنامج «المتهم» يدخل في باب «الصحافة الاستقصائية».. بمعنى التعمق المعلوماتي في حدث جدلي كبير للوصول الى الحقيقة بوسائل التحقيق الموضوعي العلمي.. فتكون النتيجة مادة اعلامية توثيقية تتخذ قالب الصحافة الالكترونية او الصحافة المطبوعة. والحدث الجدلي الكبير الذي يتمحور حوله برنامج «المتهم» هو دور الجنرال ارييل شارون في مذبحة مخيمي «صبرا وشاتيلا» للاجئين الفلسطينيين قرب بيروت قبل 19 عاما، هل شارك شارون فعلا في هذه المذبحة؟ وبأي كيفية.. على مستوى التدبير والاشراف ام على مستوى التنفيذ ايضا؟ انطلاقاً من هذه الاسئلة اتى مصممو البرنامج بشهود وخبراء يعتد بهم ليخلصوا عبر الاسئلة والاجوبة الاستقصائية الدقيقة الى مادة تجد طريقها مباشرة الى صفحات التاريخ من ناحية وتضيف الى عقول ملايين المشاهدين في انحاء العالم معلومة نوعية محترمة من ناحية اخرى. واذا كان برنامج «المتهم» قد القى ضوءا جديدا لحادثة هامة احاط بها غموض وجدل؟ فما الذي يمنع وسائل الاعلام العربية من استجلاء الاحداث الغامضة في التاريخ العربي القريب عن طريق فن الصحافة الاستقصائية؟ ان الجمهور العربي عبر اجيال متعاقبة لايزال يتساءل عن احداث غامضة جزئيا او كليا متشوقا الى معرفة الحقيقة الكاملة. كيف قُتل المعارض المغربي المهدي بن بركة في ستينيات القرن الماضي؟ ومن أمر بقتله؟ ومن نفذ الأمر؟ والامثلة تترى. لماذا اعترضت طائرتان مقاتلتان ليبيتان طائرة ركاب بريطانية في يوليو 1971 وأجبرتاها على الهبوط في مطار ليبي ليتم القاء القبض على اثنين من ركابها وترحيلهما بعد ذلك بطائرة ليبية خاصة الى الخرطوم؟ حتى هذه اللحظة لم تنطق السلطات الليبية كلمة واحدة بشأن اعتقال المقدم بابكر النور ورفيقه الرائد فاروق حمدالله وارسالهما الى الرئيس نميري الذي نفذ في كل منهما حكم الاعدام. ما هي ملابسات أحداث «ايلول الاسود» في الاردن عند نهاية عقد الستينيات وبداية عقد السبعينيات؟ من أخطأ في حق من: منظمة التحرير الفلسطينية أم السلطة الاردنية؟ ما سبب اشتعال الحرب العراقية الايرانية في عام 1980؟ هل صحيح ان الطرف العراقي هو الذي بدأ الحرب؟ وهل كان للعراق مبررات وجيهة ومعقولة؟ ما هي ملابسات الغزو العراقي للكويت؟ وهل صحيح ان واشنطن اعطت ضوءاً اخضر لبغداد بطريقة غير مباشرة من خلال عبارات ادلت بها السفيرة الامريكية في مقابلة مع الرئيس العراقي؟ لماذا انتحر المشير عبدالحكيم عامر في مصر عقب هزيمة 67؟ وهل انتحر فعلا؟ وما هي بالضبط الاخطاء التي اخذت عليه مما أدى للهزيمة؟ وهل كانت هناك اخطاء فعلا؟ كيف وقع انقلاب الجزائر في مطلع عام 1992 عندما اتضح ان الاسلاميين كانوا على وشك اكتساح الانتخابات البرلمانية؟ من الذين امروا بالتحرك العسكري أو قاموا بتدبيره؟ كل هذه الاسئلة بلا اجابات قاطعة وكاملة.. وكل الاحداث والملابسات المحيطة بها مشوهة بشائعات او تخمينات، ومتاح للاعلام العربي ان يستثمر هذه الفرصة ليكون مرجعا تاريخيا محترما عبر طريق الصحافة الاستقصائية.