دأب البعض في تقييمه لعملية الصراع الفلسطينية الإسرائيلية، على استعارة الأحداث الماضية، باعتبار أن التاريخ أحداث متطابقة لا يفصل بينها إلا عامل الزمن، مستندين في ذلك إلى تجارب ماضية قد ولت وانتهت إلى ما انتهت إليه سواء كانت سلباً أم إيجاباً. حتى أن البعض بدأ يستذكر مقدمات الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982 وما سبقها من مشاورات بين وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ألكسندر هيج ووزير الحرب الإسرائيلي في تلك المرحلة أرييل شارون، الذي يشغل حالياً رئيس وزراء اسرائيل، ويؤاخي بين مرحلتين مختلفتين. متجاهلين أو مسقطين من أجندتهم أن تغيرات دولية قد جرت، وأن مفاهيم دولية قد تغيرت، فما كان يتوافق سابقاً أو حتى يتطابق مع الرؤية الأمريكية إسرائيلياً، قد تغير بشكل كبير جداً. فالولايات المتحدة هذه الأيام وفي ظل ما يسمى بسيادة القطب أو الرأس الواحد، تسعى لفرض حلول ولو جزئية في مناطق نفوذها، باعتبار أن الصراعات الإقليمية وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، ستؤثر على مصالحها الاستراتيجية بشكل مباشر وستضعف من دورها في السيطرة والضبط، ومن ثم سيحدث حالة فراغ إقليمي ينتظرها الكثير من الأطراف الدولية والإقليمية المتضررة من إحكام السيطرة الأمريكية عليها. أضف إلى ذلك أن حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، كانت تحمل في طياتها الكثير من المبررات الصراعية، لوجود معسكرين متصارعين تمثلهما أطراف إقليمية ومحلية على الأرض، وأن عوامل الشد والتوتر وتمرير السياسات كانت بكل تأكيد، بحاجة لخلق حروب بالشكل الذي شهدته تلك الحقبة بالذات، بداية من أزمة الصواريخ السورية في 1981 التي كانت منصوبة في قواعد في سهل البقاع إلى اجتياح لبنان في عام 1982 وضرب البنية التحتية لمنظمة التحرير وحصار بيروت العاصمة اللبنانية وحضور قوات المارينز إلى ما أعقبها من أحداث صراعية لسنا بصدد تعدادها في هذا المقام. ولعل جملة من الظروف والعوامل الداخلية والإقليمية والدولية، تحول دون تنفيذ مخططات شارون العدوانية، أهمها : أولاً :حتى لو لم يعترف البعض بما يسمى باليمين واليسار، إلا أن الواقع يظهر مدى الاختلاف في التوجهات السياسية بين القوى الحزبية الفاعلة داخل اسرائيل، فحزب العمل بممثله شمعون بيريز يرفض رفضاً قاطعاً التخلي عن عرفات كشريك في العملية السياسية، ونتيجة لهذا الرفض فهو يرى في إبقاء العلاقة مع السلطة الفلسطينية، ضمانة لمستقبل التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، ودون ذلك فسيكون الوريث الوحيد بكل تأكيد حركة حماس وغيرها من الحركات الراديكالية الإسلامية، حسب اعتقاده. لهذا السبب فهو يعارض بشدة أي عملية عسكرية شاملة، قد تودي بالسلطة الفلسطينية كشريك مستقبلي لا بديل عنه على طاولة التفاوض القادمة. لا بل يجد بيريز صاحب فكرة الشرق أوسطية، بأنه لا بديل على الإطلاق إلا باستكمال أوسلو، مع استخدام الضغط ما أمكن لتخفيض المطالب الفلسطينية بخصوص القدس واللاجئين، أي بتطبيق المثل الشعبي «أن لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم». وحتى وإن لم تكن أمريكا هذه الأيام البيت الطبيعي لوزير الخارجية بيريز، إلا أن صناع القرار وحسب ما أوردته بعض الصحف الإسرائيلية، يرون ضرورة قصوى للدور الذي يقوم به بيريز في كبح جماح شارون، انطلاقاً من المصلحة العليا الإسرائيلية، فهم يقولون «أنه خلف رئيس حكومة كابح لنفسه يقف وزير خارجية مهدئ وملطف. وشارون و بيريز جاءا من مدرستين متناقضتين تماماً». وحسب تصريح مسئول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية «فإنهما مختلفان جداً لدرجة أنهما معاً يخلقان زوجاً كاملاً». ولهذا السبب بالذات لن تكون هناك عملية عسكرية واسعة قد تودي بالسلطة الفلسطينية وبمؤسساتها، رغم توقيع 17 نائباً ووزيراً على رسالة علنية لرئيس الحكومة أرييل شارون يدعونه فيها الى إصدار أمر للجيش بحل السلطة الفلسطينية. وما دعا إليه شارون إلى منح الجيش حرية عمل أمنية دون أي قيود سياسية، من أجل إحراز هذا الهدف، ليس سوى خلق حالة من الرعب في نفوس الفلسطينيين، من أجل الرضوخ كلية إلى شروطه ومطالبه السياسية والأمنية. وعلى الرغم أيضاً من مواصلة المبادرين لهذا الكتاب، من رجال منظمات اليمين غير البرلمانية، حملة جمع التواقيع. ومن بين الموقعين حتى الآن الوزراء أفغيدور ليبرمان ورحبعام زئيفي، ونواب الوزراء يولي أدلشتاين ويوري شطيرن وكذلك النواب من المفدال، الاتحاد الوطني، اسرائيل بيتنا، الليكود، اسرائيل بعليا، يهوديت هتورات ومودي زيند بورج من حزب الوسط. إلا أن كل ذلك جاء ليصب في ذات السياسية التي كانت ولا تزال تسعى لتقزيم المطالب الفلسطينية، ومحاولة لفرض الشروط والاملاءات الإسرائيلية كما أسلفنا القول، بموازاة ذلك محاولة تقوية أوراق شارون وتحالفه على المستوى الداخلي، من أجل مواجهة سياسة اليسار، التي باتت ترى وعلى لسان ممثله في الحكومة الإسرائيلية الحالية شمعون بيريز، بأن تخفيض نسبة ما يسمونه بالعنف في الضفة وقطاع غزة، يعتبر مؤشرا إيجابيا، قياساً بالأيام الماضية. ناهيك عن أن الحكومة الإسرائيلية، وبعد استخدام كل أساليب الضغط بداية بالعمل العسكري وانتهاءً بالتجويع الناتج عن الحصار الاقتصادي، باتت ترى بمجملها، أن استمرار هذه الأساليب لن تغيب الشعب الفلسطيني من المعادلة، بل على العكس من ذلك ستزيد من عزلتها عربياً وإقليمياً ودولياً، بصرف النظر عن الانحياز الحاصل لمصلحتها. لكن هذا الكلام بكل تأكيد لا يلغي حقيقة غاية بالأهمية وهي أن اسرائيل ليست جاهزة على المستوى الداخلي للشروع بطرح حل سياسي متوازن، أو على أقل تقدير تطبيق ما وقعت عليه من اتفاقيات، وأن غايتها القصوى ترميم الحالة الأمنية الصعبة التي تعيشها، والخروج من حالة الإحراج التي تواجهها حكومة شارون أمام المستوطنين بعد تجاوز المائة يوم التي وعد بها شارون ناخبيه لوأد الانتفاضة، وجلب الفلسطينيين إلى طاولة التفاوض زحفاً على البطون الفارغة إلا من بقايا قطرات الماء. ثانياً : باتت اسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة، تدركان أن استمرار الصراع يؤجج يوماً بعد يوم مشاعر الحقد العربي ليس ضد اسرائيل وحسب، بل وضد الولايات المتحدة الأمريكية، واعتبار أن الصراع الجاري على الأراضي الفلسطينية هو في شكله صراع فلسطيني إسرائيلي، إلا أنه في المضمون، هو تجاهل للدور العربي حتى على المستوى الإقليمي. حتى وصل الأمريكيون لدرجة لا يمكنهم تجاهل المواقف العربية التي تصدر يومياً عن الجانب العربي، سواء الصادرة بلغة الاستغاثة من القاهرة أو بلغة الغمز والتهديد والتنويه لتحجيم المصالح الأمريكية، كالمواقف السعودية التي صدرت عن ولي العهد السعودي ووقف زيارته التي كانت مقررة إلى الولايات المتحدة، أو المواقف النارية التي صدرت عن وزير الإعلام الإماراتي، والتي أدانت الانحياز الأمريكي بكل وضوح. بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة، تدرك جيداً إلى أنها إذا ما بقيت على هذه المواقف، وأعطت الضوء الأخضر لشارون من أجل تنفيذ خططه الجهنمية، التي وضعها تحت تصرف رئيس أركانه في بداية الشهر الحالي، ستعطي كل الذرائع لمن تسميهم «إرهابيين» وتحاول ملاحقتهم عن طريق السلطات المحلية. والاهم من ذلك كله أنها ستعطي المبرر والذريعة الكاملة لدول المنطقة وبعض الدول الأوروبية المتضررة من بقاء الحصار على العراق إلى الشروع في رفعه دون قيد أو شرط، وهي بكل تأكيد تدرك النوايا عند هذه الدول، وتدرك أكثر الخطر الذي سيتهدد مصالحها إذا ما بدأت الدول تباعاً برفع الحصار عن بغداد إقليمياً ودولياً دون قيد أو شرط. أي بمعنى آخر إذا ما حاولت إطلاق يد شارون أكثر مما هي عليه الآن، فسيحدث فراغاً في المنطقة ستقوم على تعبئته بكل تأكيد بعض الأطراف الإقليمية والدولية، أي الأوروبية المتوافقة أصلاً على ذلك، وستكون روسيا وفرنسا بالمرصاد لملء هذا الفراغ بكل تأكيد. ثالثاً :والاهم من ذلك، أن إعطاء شارون صلاحية التصرف، سيستتبع زيادة التدخل الأمريكي الموازي لحركة شارون في المنطقة، وهذا التدخل بالمقابل سيزيد من الأخطار المحدقة بالوجود الأمريكي ذاته، وبالنهاية قد تجد أمريكا نفسها في رمال متحركة، لا تقل في سخونتها وحركيتها وتموجها عن رمال الصومال أو لبنان، ومن ثم ستصبح عرضة للهزائم أو النكسات بعيداً عن وسائل القوة ؛ وستفقد بعد ذلك معظم أصدقائها على المستوى العربي، بل زد على ذلك ستخسر كل ما حاولت رسمه من بداية تسعينيات القرن الماضي إلى تلك اللحظة، التي ستطلق منها يد شارون الآثمة ضد الفلسطينيين والعرب. لكن وحتى لا نوغل كثيراً بالتحليل والتفسير، لا بد أن ندرك جيداً، أن الولايات المتحدة تدرك هي الأخرى، مدى الخطر على مصالحها في حال إطلاق يد شارون لتحقيق طموحاته العدوانية، ولو كان الأمر غير ذلك، ما الذي يدفع جورج ميتشيل، في ذات اللحظة التي يتهم فيها شارون في نيويورك معقل اللوبي اليهودي الأمريكي، وهو في طريقه إلى واشنطن، عرفات بأنه قائد عصابة من الإرهابيين، إلى مناشدته ومناشدة الفلسطينيين إلى تطبيق ما جاء في تقريره القاضي بوقف أعمال العنف من قبل الفلسطينيين ووقف الاستيطان الإسرائيلي، والشروع بالتسوية السياسية؟ بالمقابل علينا ألا نغرق في تفاؤلنا كثيراً، لان الحل السياسي لا يزال بعيداً، وأن جلّ ما تفكر به الولايات المتحدة وإسرائيل هو البحث عن تفسيرات قد تبدو للبعض بأنها منطقية، مضمونها المطالبة بوقف إطلاق النار والبحث عند الفلسطينيين عن أحكام عرفية وأحكام عسكرية ضد هذا الفصيل الفلسطيني أو ذاك، وليس غريباً أن يصل الأمر إلى طلب معاقبة بعض ضباط الأمن الفلسطيني، وكوادر حركة فتح الحزب القائد. لكن المهم، هل ستقبل السلطة الفلسطينية ما سيجلبه باول من قرارات معدة سلفاً وعلى أرضية مشتركة اسرائيلية أمريكية وملبسة بلبوسات أمنية ؟ هذا التساؤل وغيره ستجيب عليها مواقف السلطة المقبلة، وما سيجلبه بالأساس وزير الخارجية الأمريكية كولن باول إن كان غثاً أو سميناً. ـ كاتب فلسطيني