لأن فصل الصيف ضخ كل رطوبته في الشوارع، ستجدها مقفرة من الناس، إلا أولئك الذين يركضون نحو سياراتهم أو يدلفون الى احد المتاجر بحثاً عن نسمة رطبة، ولأن الرطوبة تطرد المتسكعين من الطرقات العامة فان مراكز التسوق سوف تتحول الى باحة مدرسة وقت الاستراحة. مشهدياً يمكن وصف الحالة بالشكل التالي، شابان يتفرجان على واجهة احد المحلات ويرتديان سروالين ضيقين وفوقهما قميصان عريضان، في الجيب العلوي لكل قميض علبة سجائر، في حين هناك انتفاخ في الجيب الخلفي للسروال لان بداخله الموبايل وطبعاً ستكون الايادي مشغولة بالسيجارة أو بالولاعة حيث ينفخ الشابان همومهما في فضاء المركز ثم يتابعان التسكع حتى نهاية الممر، ليعاودا الكرة من جديد في الجهة المقابلة. بينما يمكن الانتقال مشهدياً الى كافي شوب حيث تجلس فتاة وأمامها فنجان كابتشينو وطبق فيه شطيرة أو كرواسان لم تمس ـ حفاظاً على جمال المشهد ـ ولان الفتاة تضغط على اذنها بسبابتها سيعتقد الناظر اليها انها تعاني من صداع أو ما شابه وما فتئت سبابتها الاخرى تعبث بشيء غير مرئي من بعيد، ولكن الاقتراب اكثر من المشهد على طريقة كاميرا زوم سيتم تحديد ذلك الشيء انه خيط اسود تلفه حول سبابتها ثم تطلقه، بعدها ستتضح الرؤيا أكثر، حيث لا بخار يتصاعد من فنجان الكابتشينو مما يعني انه قد برد منذ مدة وان الفتاة تحرك شفتيها ثم تبتسم حتى يخال المرء انها تبتسم له، فيكاد البريء ـ امثالنا ـ ان يصل فمه بأذنيه مطلقاً ابتسامة عريضة، لولا صوتها: الكافي شوب رائع، والسنتر هاديء والموسيقى ناعمة. وعندها سيكتشف ان الفتاة تحادث احداً ما على الطرف الآخر من هاتفها النقال، وانها لا تعاني من صداع لانها تضغط على سماعة الهاتف بسبابتها حتى تسمع جيداً، وان الهاتف موجود في حقيبتها أو في جيبها، حيث تزجى الوقت في وصف المكان للآخرين. واذا تحركت الكاميرا سينمائياً باتجاه المداخل المتعددة سيرى الناظر مشهداً شديد الألفة لعائلة مكونة من ستة افراد يتقدمهم رب العائلة وخلفه أو بجانبه ابنه المراهق وخلفهما فتاة في مقتبل العمر بينما انهمكت الام في حمل طفل رضيع وهي تحث طفلاً آخر في نهاية الطابور على الاسراع للحاق بهم. وسيكون المشهد أكثر ألفة عندما تتطاير نظراتهم شمالاً ويميناً مبهورين بالهواء البارد المنعش فيحثون الخطى مسرعين نحو هدف غير محدد! وسيمر وقت لا بأس به قبل ان يكمل الشابان المتسكعان جولتهما في أروقة المركز حيث دخلا الى احد المحال ليجربا قبعة وصلت حديثاً وهل هي ملائمة لثيابهما الداكنة وسيصرفان ردحاً من الوقت في مكان آخر لان البائعة شديدة الجمال والكياسة ولا تتوانى عن الابتسام لهما كلما قالا لها «بليز» أو «سوري» أو «ثانكس» وسيظلان على هذه الحال حتى تنفد سجائرهما عندها سيتصلان بصديقين آخرين لمتابعة التسكع. آنذاك ستنهي الفتاة الجالسة في الكافي شوب حديثها مع الطرف الآخر لتكتشف ان الكابتشينو قد اصبح شراباً مثلجاً، وان قطعة الكرواسان تحولت الى خبز يابس، فتبادر الى طلب فنجان كابتشينو جديد مع قطعة كرواسان طازجة، وريثما يحضر النادل طلبها ستتصل بصديقتها الاخرى لتخبرها ان الكافي شوب رائع، والسنتر هاديء، والموسيقى ناعمة، ثم تعبث سبابتها بسلك سماعة الموبايل وتضغط بالاخرى على اذنها حتى لا يفوتها الكلام. وسيكون بديهياً ان يتفرق شمل العائلة المكونة من ستة افراد حيث سيجلس رب العائلة على مقعد طويل موجود في الممر وسيتوجه ابنه المراهق الى السلالم المتحركة صاعداً نازلا أو بالعكس نازلاً صاعدا، بينما ستنضم الفتاة التي في مقتبل العمر الى فريق امها بحثاً عن حمام مجاور لان الطفل الأصغر شرب معظم زجاجة البيبسي ذات الحجم العائلي، وعليه ان يلبي نداء الطبيعة بسرعة. وسيمر الوقت بطيئاً.. بطيئاً قبل ان ينتقل المشهد الى الليل حيث بدأت الرطوبة تنقشع وبدأت الشوارع تدب فيها الحركة، ولكنها حركة خجولة.. لان الصيف طويل. E.Mail:H-S-D@MaktooB.com