رغم أنني لم أفاجأ بالنبأ إلا أنني حزين، ووهمت وكأني لم أتوقعه قط، مع أنني كنت أنتظر سماعه بين لحظة وأخرى. دائما كنت أتوقع أن أصحو فأصغي إليه عبر الإذاعة البريطانية التي أبدأ بنشرتها يومياً قبل مفارقة فراشي، أو أطالعه في صحف الصباح، ربما أن الموت مرتبط عندي بالليل، خاصة الفجر، كثير من الموت الذي مسنى وأدرك الأقربين جرى ليلا، وبالتحديد قرب الفجر، لكن خبرها داهمني عصرا، عندما اتصلت بي صحفية شابة عصر الجمعة، وقالت إن سعاد حسني رحلت في لندن، ثم سألتني عما إذا كنت أرغب في التعليق، رجوتها أن تمهلني بعض الوقت حتى استوعب. رحلت إذن سعاد حسني. الحالة الأنثوية المصرية الفريدة، والتي تفتح لى آفاقا شتى إلى تفاصيل حياة الطبقة الوسطى خاصة، والمصرية عامة. إلى شقاوة الإناث الجميلات في مقتبل العمر وخفرهن وتدللهن، إلى الأيام الجميلة التي انقضت ولم يعد منها إلا الذكرى، إلى استعادة الأيام القاسية التي أتت بفساد الذوق والجلافة، قاومها كل إنسان طبقا لقدرته وصلابة حصونه وقلاعه ولأنها كانت مخلوقة رقيقة، وسطا بين البشر والطيور، أو عالم الفراشات، فلم تحتمل، وبدأ انكسارها، ثم انهيارها منذ سنوات عديدة، كانت العلامة الفارقة رحيل صلاح جاهين المأساوي، ولكم تتعدد أوجه الشبه بينهما، فكلاهما لم يحتمل تغير الزمن والأحوال، كانت هزيمة يونيو البشعة نقطة انكسار لصلاح جاهين الذي علق الآمال الكبار على الثورة، وأجج أحلام الناس وآمالهم بأشعاره التي سرعان ما أصبحت جزءا من ماضي يعتبره البعض جميلا، ويعتبره آخرون كابوسا، يستعيدها نفر من جيلنا بدافع الحنين إلى أيام الأحلام الجميلة، ويعدها آخرون من أدلة الخيبة وقصر النظر. كانت هزيمة يونيو نقطة انكسار صلاح جاهين كشاعر وكإنسان، وهذا يدل على عمق صدقه، وإتساقه مع نفسه، وفي مرحلة انكساره تعرفت إليه سعاد وتوثقت علاقتها به، وكان خير رفيق وراع لها، كفل لها حضانة روحية وهو الجريح منكسر الخاطر، ومنذ موته بدأت الشمس الجميلة تميل إلى الغرب، والشمس مهما كانت ساطعة، ومصدرا للدفء، لا يمكن أن تبقى أبدا في موقعها وإلا كان ذلك نهاية النظام.. كانت سعاد وحيدة . تعسة في حياتها الشخصية، لكن الأهم أن ما تمثله من براءة، ومصرية صميمة، نقية، كل خصالها الرقيقة بدأت تفتقد المناخ الذي رفرفت فيه وتألقت، السينما المصرية ذاتها احتضرت، وبدا أن كل محاولاتها للتكيف مع الواقع الجديد قد فشلت، وهنا بدأ الاكتئاب، وسلسلت في المرض، حتى وصلت إلى تلك اللحظة المكثفة، الباردة، التي ينعدم عندها الماضي ويختفي الحاضر، ويغيب المستقبل، أتوقف موجوعا عند تلك اللحظة التي سقطت فيها من تلك البناية المرتفعة، والتي يسكنها عدد من المصريين وقدر لي أن أعرفها في السبعينيات، أنها نفس البناية التي سقط من أحد شرفاتها الفريق الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري زمن أنور السادات، والذي لعب دورا هاما في حركة مايو عام واحد وسبعين، بناية شاهقة الإرتفاع الغالب عليها اللون الأحمر، شرفاتها متقاربة . أي صور جالت بذهنها، أي مشاعر عبرت قبل أن تندفع إلى أسفل لتستقر فوق الأرض جثة هامدة، ويسارع الحراس الإنجليز إلى تغطيتها بمشمع أحمر. مشمع أحمر يحتوي هذا الجمال الذي أنار أيامنا، ورطب هجيرنا، وأنعش لدينا أحلام اللقيا. مشمع أحمر ؟ هل يعرف أولئك الإنجليز أي إنسانة غطوا، أي رقة لفوا؟ أنني أستعيدها ليس كما عرفتها من الأعمال الفنية الجميلة. ولكن من خلال الحياة، إذ قدر لي أن أراها عن قرب مرتين عابرتين، وأن أتحدث إليها طويلا عبر الهاتف وقع بصري عليها لأول مرة عام سبعين، في منزل عائلة الشاعر والفنان عبد الرحمن الخميسي، جاءت لزيارته، وربما كان ثمة مشروع فيلم سينمائي لكنه لم يتم، كانت الأسرة تقيم في شقة فسيحة في شارع عدلي، وكنت أجلس إلى أخي أحمد الخميسي. عندما دخل الفنان الكبير تتقدمه سعاد، مازلت أذكر ظهورها الهادئ، المفاجئ. ولكل أنثى درجة من الظهور، طريقة ما في دخولها إلى مجلس أو جمع، كان دخول سعاد مثل نسمة العصاري الحانية، تلك النسمة التي تهب من بحري، من الشمال في نهاية يوم حار، شديد القيظ، فتلمسنا برفق، تهدئنا، وتريحنا، وتمضي. جاءت من أين؟ لا نعرف، ستمضى إلى أين؟ لا ندري.. مازلت أذكر تهللنا جميعا عند ظهورها، وقوفها الرهيب وسط الحجرة . تتطلع الينا بحياء بخجل لذيذ، أنثوي، خجل حقيقي ومحرض أيضا، فلا يمكن لمن يرى عينيها الفسيحتين القادمتين من رسوم المعابد وبيوت الأبدية المصرية إلا أن يشرع، أن يهفو إلى جهتها. لفت نظري حجمها الفراشي، الهفهاف، كانت أرق بكثير مما تبدو عليه في السينما، أما ملامحها فمثل تباشير الأمل، والمسافات القليلة التي تسبق الوصول إلى النعيم، من أي زاوية ينظر إليها المرء يرى جمالا فريدا . أخاذا، يقدم نفسه من خلال بث هادئ. منظم، يسري كالعطر المعتق، وعند لحظة معينة يغمر، وجه فريد، كما وصفه الخميسي صديق للكاميرا، فمن أي زاوية يبدو جمالها متألقا، والخميسي أول من اكتشف هذه الياقوتة النادرة، والماسة اللؤلؤية، والإنسانة الجميلة، قدمها في فيلم (حسن ونعيمة ) وهي دون الخامسة عشرة، لقنها الفن والعلم وأطلقها رفرافة في حياتنا فأمطرت بهجة وآمالا سرعان ما خبت . لم أتبادل معها حوارا تلك الليلة . ولكنني عند انصرافي، لاقيت شوارع المدينة ولاقتني، لن أنسى أبدا تلك البهجة التي اندلعت داخلي لمجرد رؤيتها، حضورها الهادئ الدافق المهدهد. مرت السنوات، وفي الثمانينيات أتيح لي أن أقرأ النص الكامل لقضية انحراف أجهزة المخابرات التي جرى التحقيق فيها بعد الهزيمة، وفوجئت بما جرى مع الفنانة الرقيقة، ومحاولات الضغط عليها، والحالة العصبية التي انتابتها، واختفائها لمدة شهر تماما كتعبير عن رفضها التعاون مع الأمن، هذه الواقعة أثبتت لي سلامة جوهر تلك الفنانة، إنها إنسانة عظيمة أيضا، ولاحظت فيما تلا ذلك من سنوات أنها لم تتاجر بهذا الموقف، ولم تتخذه مادة لإدعاء البطولة كما فعل البعض، لم أعرف تفاصيله إلا عند قراءة النص الكامل للتحقيقات والوقائع الخاصة بالقضية. في منتصف الثمانينيات نشأت بين زوجتي الصحفية ماجدة الجندي وسعاد صلة بعد أن أجرت معها ماجدة حوارا صحفيا مطولا. عرفت أوصاف المسكن المتواضع الذي تقيم فيه بالزمالك، في تلك الأيام بانت سعاد عبر الهاتف، كانت تتحدث في الواحدة بعد منتصف الليل وتطول المكالمة إلى الثالثة صباحا، مع ماجدة ومعي، كان يشغلها العثور على قصة مناسبة تعود من خلالها إلى السينما، ولم يكن في إنتاجي ما يصلح لها. ولم أستطع التوصل إلى نص مقنع بالنسبة لها. اذكر أنني أرسلت اليها مجموعة من العناوين. غاب عني ذكرها ولم استعدها للأسف منذ حوالي سبع سنوات. كنا في زيارة إلى الصديقة شمس الاتربي التي تربطها صلة عميقة بسعاد حسني، علمت أنها آتية. كان دخولها هادئا تماما مثل ظهورها في بيت الخميسي، لكن المظهر أدركه تغير، النسمة أصبحت متثاقلة، وثمة بدانة أدركتها قيل لى أنها من تأثير العلاج بالكورتيزون، لكن ملامحها احتفظت بطلاوتها، خاصة نظراتها، وداعتها، انوثتها الفياضة، السكينة المتدفقة منها رغم كل ما كانت تعانيه. تحدثنا عن عودتها إلى السينما، في تلك الليلة قلت لها إنني لم أكتب قط للسينما خصيصا، لكنني مستعد أن أبدأ التفكير في كتابة عمل خاص لها محبة مني، وأعجابا، لكنني لم أشرع، فلم أرها قط بعد تلك الليلة وإن حرصت على متابعة أخبارها، خاصة عندما استقرت في لندن. وبدأت أمورها تضطرب، وكنت مشفقا على قمرية أحلامنا، طائرنا الجميل من ضبابية لندن، والوحشة التي توحي بها لندن، ورمادية فراغها، ودنو غماماتها، ومهما أوتيت من قدرة على التخيل فلن أصل أبدا إلى معاناتها، خاصة تلك الأيام الأخيرة التي انتهت بهذه اللحظة التي دفعت بها إلى أسفل حيث غطوها بالمشمع الأحمر. فهل يعرف أولئك الذين هرعوا صوبها، أي معنى، وأي أيام جميلة، وأي رقة غطوها ؟