تتوافر اليوم في الوطن العربي مئات الدوريات القومية والقطرية، سواد منها الاختصاصية او المنوعة، بالاضافة الى عشرات القنوات الفضائية والمحطات الاذاعية، ومازال المزيد منها يصدر ويظهر باستمرار ولاسيما في المجال الصحفي التخصصي، فحتى «الضوء» و «الاستشعار عن بعد» و «السيارات» و «الانترنت» اصبحت لها دورياتها الخاصة بها. وفي غمرة هذا الكم الاعلامي الطاغي قد يحار المتلقون، من قراء ومشاهدين ومستمعين ولايعرفون بالضبط اي الدوريات يقتنون واي القنوات يشاهدون، والى اي الاذاعات يستعمون وهذا الوضع يفرض على المتلقى ضرورة التنخيل والانتقاء، وهنا يكمن مربط الفرس وبيت القصيد ونعني بهذا ان التميز النوعي والارتقاء الكيفي هما اللذان يحسمان الاختيار ويحددان نتيجة الغربلة والاصطفاء وبالنسبة للصحافة بالذات، فإن الحشد الكمي المتمثل بكثرة الصفحات وتعدد الزوايا واتساع رقعة الابواب وان كان يتيح للقاريء، التزود بأكبر قدر من المعارف والمعلومات والآراء الا انه ليس كافيا لاضفاء القيمة النوعية على الدورية، فالاهم من ذلك، ان يكون للمادة المنشورة تميز واهمية علمية واخلاقية ومغاز مفيدة ومعان هامة. المسألة اذن ليست مسألة صفحات وفقرات وجمل وكلمات منشورة، فجميع دورياتنا العربية يتكون نسيجها ولحمتها من صفوف طويلة من المفردات العربية التي يقرأها الناطقون بالضاد، ولكن العبرة تكمن في الفوائد والمغازي والعملية التي تنطوي عليها جموع المفردات وهذا الامر لا يكتشفه القراء بسرعة، ومن خلال الاطلاع على اعداد محدودة من الدورية، بل هناك حاجة لانقضاء زمن طويل، ولمطالعة اعداد كبيرة من الدورية، حتى يكتشف الناس اي الدوريات جادة ومتميزة ونبيلة التوجهات وجديرة بالاقبال عليها واقتنائها، وايها هزيلة ودعائية ولا تستحق اكثر من التجاهل والاهمال، والنتيجة التي نريد التوصل اليها، ان الحياة الصحفية، لن تكتب في نهاية المطاف، الا للدوريات التي تعني بالمضمون القيم والمادة الراقية والانتاج المتميز. اما تلك التي تلهث وراء التلميعات الخارجية والصيغ الترويجية والشكل البراق، فلا مكان لها تحت شمس الصحافة، الا لفترة محدودة سرعان ما تتبخر، وتولي الادبار، والسؤال الهام الذي يطرح نفسه، هنا، هو: كيف يتحقق التميز للدورية؟ وليس من السهل ابدا الاجابة عن هذا السؤال، لان هناك عوامل عديدة متشابكة تدخل في المسألة، كما يوجد اكثر من جواب، لان الامر لايتعلق بجانب صحفي واحد، بل بعدة جوانب، مثل حرية الصحافة والادارة الجيدة والانفاق المالي السخي واستقطاب الكتاب المعروفين والموثوقين، علميا وصحفيا، وغير ذلك. ولكن ما يعنينا هنا بشكل استثنائي، القدرة على اختيار الكاتب المتميز والمقال المتميز، فهذا هو العامل الاكثر حسما في تقرير مستقبل الدورية، فالمقالات مطروحة في الطريق وكل دورية تصلها مئات المواد، كما ان الكتاب اصبحوا اليوم اكثر من شعر الرأس، اذا نظرنا الى الامر من الناحية الكمية، ولكنهم قلائل، من وجهة النظر النوعية. فالمهم اذن بالنسبة لاية دورية ان تكون قادرة على استقطاب واجتذاب الكاتب المتميز القادر على انتاج المقال المتميز، وهنا يتوجب عليها ان تقدم له مردودا ماليا ومعنويا يتناسب مع مردود مقاله بالنسبة للقراء فهؤلاء يقبلون عادة على المقال المبتكر والاصيل والذي يطرح افكارا جديدة غير معهودة من قبل. وبتعبير اخر، فإن من واجب الدورية ان تتعامل مع المقالات بطريقة نوعية، لا كمية، وان تفرق بين المقال الكلاسيكي والمقال الابداعي، وبين الكاتب المتمكن والكاتب الناشيء، وان تكرم الاول بطريقة تتناسب مع تميز انتاجه، حتى تستطيع الاحتفاظ به، كاتبا دائما لديها، وضمن هذا السياق، نقترح ان يكون التكريم المادي والمعنوي الذي تقدمه الدورية الى الكاتب، مستندا الى: أ ـ جودة المقال وقيمته الابداعية ب ـ كونه غير منشور من قبل ج ـ كفاءة الكاتب اما حجم المقال، فيستحسن ان يأتي في الدرجة الاخيرة من سلم التقويم، الا في حالات معينة. وهكذا فإن الزاد الحقيقي الذي يمكن الدورية من ارتقاء سلم الازدهار والانتشار وجذب القراء هو الكاتب المجود والمقال الراقي، فعليها ان تحسن استقطابهما وهذا الامر ينطبق ايضا الى حد بعيد على الاعلام المرئي والمسموع ولكن هنا يوجد عامل اخر، لايقل اهمية عن تميز المادة المنقولة الى المشاهد او المستمع، وهو يؤدي دوره في الصحافة، دون ريب، الا ان هذا الدور اشد وضوحا في التلفاز والاذاعة. ونقصد به المصداقية الاعلامية، فبعض الاجهزة الاعلامية العربية، تكثر من نقل اخبار عاجلة غير موثوقة، او تهويلية، واحيانا شبه ملفقة، بهدف اثارة ضجيج اعلامي سرعان ما يتكشف انه لاينطوي على اي مغزى. فمثل هذه الاجهزة قد تكسب بعض الاوراق وتحظى بالكثير من الاهتمام، في البداية، وربما تصبح حديثا يتردد على ألسنة الناس، الا ان المتلقين لابد ان يكتشفوا الحقيقة، مع مرور الزمن، فيستبين لهم، ان الاخبار المثيرة والبيانات المدوية التي تبثها بعض الاجهزة المرئية او المسموعة ليست اكثر من زوابع في فناجين، وان القصد منها استجداء الانتباه والاهتمام. ومن العوامل الاخرى الهامة التي يحسب حسابها، في تميز الدورية، او القناة الفضائية، او المحطة الاذاعية، التجاوب مع الهموم القومية واليومية الحقيقية للجماهير العربية التي تشكو من غياب الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني، ومن ضعف سيادة القانون وعدم مراعاة حقوق الانسان، ومن غلبة اقوال الزعماء على افعالهم، وميل بعض الكوادر العسكرية الى استخدام قواها ضد المواطنين المدنيين العرب، بدلا من توجيهها نحو الاعداء، وغير ذلك من المشكلات التي لا تقف عند حد، وتختلف نسبة شيوعها، بين قطر عربي وآخر. فالادوات الاعلامية التي تكثر من معالجة مثل هذه القضايا هي الاكثر قدرة على كسب اهتمام المتلقين وتجاوبهم، اما تلك التي تضع نصب اعينها، ارضاء تيارات او فئات او جهات او انظمة او زعماء معينين، فإن القرار والمشاهدين والمستمعين، سرعان ما يلفظونها وينصرفون عنها الى سواها. بقي ان نذكر ان الاعلام العربي، حتى يكون فعالا وعميق التأثير، يجب الا يكتفي بنقل الاخبار الحديثة، ومواكبة الاحداث، ومسايرة التطورات الجارية والتماشي مع الايقاعات الجديدة بل لابد له ان يتصدى لتحليل المشكلات الاساسية المزمنة التي تنغل في الصدر العربي، مثل التخلف، والتجزئة والتصلب في الرأي والنزعة الفردية والانفعالية، وغيرها فهذه هي المشكلات الاصلية والجوهرية التي تجعل الامة العربية عاجزة عن اللحاق بالعصر، وبالتالي يجب ان تكون لها الاولوية على جدول الاهتمام، وهذا يقع بالدرجة الاولى على عاتق الصحافة التي تمتاز على الاذاعة والراديو، بقدرتها على تقديم الدراسات التحليلية المطولة. وما ذكرناه هنا ليس سوى ومضات راكضة وخاطفة حول بعض ما يمكن عمله لتحسين الوضع الاعلامي العربي. كاتب سوري