هل الايدز مجرد مرض جسدي أم انه مرض جسدي ذو بعد أخلاقي؟ المشادة التي وقعت في الاجتماع الاستثنائي للجمعية العامة للامم المتحدة حول وباء الايدز في العالم تعود الى اختلاف جذري حول الاجابة على السؤال المطروح اعلاه. تتعلق المشادة بالشاذين جنسيا، رجالا ونساء. فقد اثيرت مناقشة حادة عندما اعترضت مجموعة الدول الاسلامية على تعديل اجرائي تقدمت به ثلاث دول غربية ـ السويد والنرويج وكندا ـ يسمح لمنظمة تمثل الشاذين جنسيا بالمشاركة في الاجتماع. وربما يبدو الخلاف في ظاهره على هذا النحو مجرد خلاف اجرائي.. لكنه ليس كذلك. فهو خلاف جذري في رؤى اجتماعية مبنية على مباديء اخلاقية اساسية. فبينما تعترف المجتمعات الغربية بالشاذين جنسيا والمنظمات التي تمثلهم فان المجتمعات الاسلامية، من واقع عقيدتها ومنظومة القيم الاخلاقية المنبثقة من هذه القيم، تدين بشدة الشذوذ الجنسي كممارسة وسلوك مشين ومعيب، انطلاقا من انه فعل حرام جدير بما يستحق من عقوبة منصوص عليها في مباديء الشريعة الاسلامية الخالدة. هذا التباين ينعكس عمليا على التعامل الاجتماعي في كل من المجتمعات الغربية والمجتمعات الاسلامية. ففي اوروبا والولايات المتحدة يعلن الشاذون جنسيا، رجالا ونساء، عن انفسهم دون خشية من نقد اجتماعي او مساءلة قانونية بينما امثالهم في المجتمعات الاسلامية يتوارون خجلا خوفا من الادانة الاجتماعية والمساءلة القانونية معا. غير انه ليس من المطلوب في اجتماع عالمي تحت مظلة الامم المتحدة يضم ممثلي 160 دولة ان يدخل في مجادلة أخلاقية فلسفية لكل من يدرك العلاقة التسبيبية بين ظاهرة وباء الايدز وانتشارها وتصاعد معدلاتها وبين الممارسات الجنسية غير السوية، ومن بينها وأهمها ممارسات الشذوذ الجنسي. وبعد، فان في مقدمة الحقائق الثابتة علما في مسار تاريخ هذا الوباء الشرير أنه بدأ اول ما بدأ في منتصف عقد الثمانينيات في اوساط الشاذين. ان ما ظلت تنصح به منظمة الصحة العالمية طوال الستة عشر عاماً الاخيرة، وهي عمر وباء الايدز، في حملتها المتعاظمة الموجهة الى بني البشر الناشطين جنسيا هو «أنك يحب ان تتفادى تعدد شركائك الجنسيين». بهذه اللغة الملتوية تريد المنظمة العالمية ان تقول للرجال والنساء ببساطة: «تفادوا الزنا». لكنها لن تقول ذلك لان مباديء الثقافة الرأسمالية المادية الطاغية في الغرب وتسترشد بها المنظمات العالمية تعتبر كلمة «الزنا» عبارة ذات مدلول اخلاقي تقييدي للسلوك مما يتنافى مع مباديء «الحرية الشخصية» وضمنا الحرية الجنسية. ان الايدز مرض ذو بعد اخلاقي. وما لم يعد توجيه الحملة العالمية الراهنة لمكافحة هذا الوباء على اساس الانطلاق من هذه الحقيقة فان أي جهد في هذا الصدد يكون في الاتجاه الخطأ. ان الزنا محرم في الاديان السماوية الثلاثة، وحرمته اشد على المتزوجين، رجالا ونساء. لذا أتصور ان المؤسسة الدينية، اسلامية كانت ام مسيحية ام يهودية، لا منظمة الصحة العالمية، هي الجهة المعنية اكثر من غيرها بالحملة العالمية لمكافحة انتشار الوباء. وان يقال للرجل او المرأة «انك ترتكب اثما بممارسة الزنا» هو في تقديري اشد تأثيرا من ان يقال له: «لا بأس من ممارسة الزنا لكن استخدم الواقي». لقد قتل الايدز حتى الان 22 مليوناً من البشر.. وسوف يلحق بهم ملايين اخرون طالما ان الحملة العالمية تعتمد خطابا خاطئا صادرا عن جهة خطأ.