«أنا لا أحاكم الدكتاتور على طريقته غير الديمقراطية في الحكم، أنأ أطبق القانون الذي يحاكم من يرتكب جرائم ضد البشرية، أحاكم المجرم الذي ارتكب جرائم حرب أو عمليات إبادة جماعية... أنا لا شأن لي بالحكام غير الديمقراطيين لأن هؤلاء تحاكمهم شعوبهم والتاريخ»، بهذه الكلمات حاول قاضي المحكمة الوطنية الأسبانية «بالتاثار جارثون» أن ينفض يديه عن علاقته بالمحاكمة التي يواجهها دكتاتور التشيلي السابق الجنرال بينوتشيه حاليا في بلاده التشيلي التي عاد إليها ليكون رهن قضاء بلاده بعد أن قضى ما يقرب من عامين رهن الإقامة الجبرية في العاصمة البريطانية لندن، فيما اعتبر سابقة قضائية الأولى من نوعها في التاريخ، وذلك بسبب مطالبة القاضي الأسباني بتسليمه لبلاده ليمثل أمام قضائها ومواجهة الاتهام بارتكاب عمليات إبادة جماعية، ومن بين ضحايا تلك العمليات مواطنون أسبان، أو مواطنون يحملون الجنسية المزدوجة الأسبانية - التشيلية. حاول القاضي الأسباني أيضا التنصل من علاقته بالعديد من الملفات المفتوحة أمام القضاء في العديد من دول العالم للمطالبة بمحاكمة مجرمي حرب أو أشخاص ارتكبوا مذابح جماعية ضد البشرية، لكنه لا ينفي أنه أول من تجرأ على المطالبة بتطبيق قوانين سنتها الحكومات «الديمقراطية» وان كانت تعرقل تطبيقها، وربما كانت جرأته وراء فتح بعض تلك الملفات تتخطى حدود «المحرم» الدولي المتمثل في التعامل مع قادة إسرائيل، ولأول مرة، على أنهم أيضا معرضون لتلك المحاكمات التي كانوا أول من اشتهر بها بعد خطفهم للنازي السابق «ايخمان» ومحاكمته في إسرائيل عن دوره فيما يسمى «المحرقة النازية» التي لم يكن اليهود وحدهم ضحاياها. أيا كان الهدف من ما ذكره القاضي الأسباني خلال محاضرة له في إحدى جامعات السلفادور عن «أهمية إنشاء محكمة دولية للجرائم التي يرتكبها بعض الحكام ضد البشرية كنوع من عولمة القانون أسوة بعولمة الاقتصاد»، فإنه سيظل بمثابة الرجل الذي كان أول من ألقى حجرا في المياه الراكدة في بحيرة السياسة التي كانت تحاول عرقلة مثل هذه المحاكمات، على الرغم من أن معظم تلك الحكومات «الديمقراطية» تطنطن ليل نهار أنها مع «حقوق الإنسان» أيا كان مكانه، ومع ذلك لا تسمح بمجرد فتح ملفات قضائية أمام محاكمها، وربما كانت العراقيل التي وضعتها الحكومة الأسبانية اليمينية برئاسة خوسيه ماريا ازنار أمام القاضي بالتاثار جارثون خلال محاولاته محاكمة دكتاتور التشيلي السابق نموذجا لذلك. وكشفت تلك المحاولات القضائية التي قام بها القاضي الأسباني مدى الفصام الذي تعيشه بعض الشخصيات السياسية الأوروبية التي تعيش بين الشعارات الكاذبة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والممارسة الفعلية من أجل تطبيق القوانين القائمة فعلا على الرغم من قلتها، وربما كانت رئيسة الوزراء البريطانية اليمينية أيضا «مارجريت تاتشر» نموذجا لذلك. فقد كلفت الحكومة الأسبانية وزير العدل وأجهزة الدولة بوضع العراقيل أمام المطالبة بتسلم الجنرال بينوتشيه ومحاكمته تحت أسباب واهية تدخل في معظمها في إطار «السياسة العليا للدولة»، ومن ناحيتها مارجريت تاتشر لم تجد ما تعرقل به مطالبة القضاء في بلادها بمحاكمة الجنرال لأنها كانت قد خرجت من السياسة وأحيلت إلى التقاعد سوى أن تطلق العنان للسانها الزلق ضد القاضي الأسباني وتصفه بأحط الأوصاف، بل ولم يسلم أعضاء الحكومة العمالية في بلادها من هذا اللسان المعبر عن التضامن مع الدكتاتور المجرم. الحقيقة أن الخطوة الأولى التي اتخذها القاضي الأسباني بمطالبته باستجواب الدكتاتور التشيلي السابق لم تذهب هباء، بل أنها فتحت عيون كثيرة على أهمية مشاركة الجماهير النشطة في صنع سياسة اكثر عدالة وأكثر تضامنا مع الضحايا من خلال العمل الشعبي لمواجهة سلبية السياسيين. كانت قضية الجنرال بينوتشيه في أسبانيا وبريطانيا والتشيلي سببا في الانتباه إلى أي مدى يمكن أن يؤدي العمل الشعبي إلى نتائج لا يتوقعها السياسيون المحترفون، بل تجبرهم على احترام المطالبة الشعبية والنزول عند رغبات الجماهير. لولا تلك المحاكمة واهتمام الرأي العام العالمي بها ما كان لوسائل الإعلام أن تتابعها بالطريقة المكثفة التي جذبت مزيدا من الاهتمام إلى تلك القضية، وبالتالي فتحت الطريق أمام ملفات أخرى بدأت تفد إلى ساحات القضاء لجرائم ارتكبها مجرمون تسلحوا بالسلطة لاستئصال جماعات معارضة أو عرقية بكاملها, كما حدث في البوسنة والهرسك وكوسوفو والعديد من دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. القتلة في كل مكان, والضحايا في كل مكان، أين يوجد مجرم قاتل تكون هناك ضحية، وما دام هناك قاتل وضحية لا بد أن يكون هناك قاض ومحكمة ومحاكمة. لكن الجديد أننا في العالم العربي انتبهنا أخيرا إلى أنه بين أيدينا سلاح فعال لم نكن نستخدمه، أو قل كنا نحتقره، على الرغم من أن عدونا ظل يستخدمه لعقود طويلة في اصطياد ضحايا جدد، بعضهم كانوا مجرمين وهميين لضحايا وهميين، ربما كان الهدف من اختطافهم من الأرجنتين وغيرها ووضعهم في أقفاص كالحيوانات المفترسة ومحاكمتهم في إسرائيل أمام كاميرات التلفزيون المقصود به إرهابنا اكثر من البحث عن العدالة لضحايا وهميين، لأن معظم من تقدمهم الصهيونية على انهم من اليهود ضحايا النازي مشكوك في انتمائهم للديانة اليهودية، وربما كان رفض الحاخامات دفن بعض القتلى الروس في عملية تل أبيب الأخيرة دليل على أن الشكوك تحيط بانتماء سكان إسرائيل إلى الديانة اليهودية، بل ان بعضهم خاصة المهاجرين الروس يعلنون أنهم يبحثون عن حياة أفضل من التي يعيشها الشعب الروسي حاليا في ظل المافيات التي تولت السلطة بعد انحلال الاتحاد السوفييتي. وان كان البعض عملوا في هدوء وصمت وعلى استحياء على فتح ملف «المذابح الجماعية» ضد الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا والمطالبة بمحاكمة «شارون» فقد كانت تلك خطوة للأسف لم يلتفت إليها الإعلام العربي، ولم يسمع بها الرأي العام إلا من خلال برنامج «المتهم» الذي أعدته وبثته قناة «بي بي سي» البريطانية في برنامجها الأسبوعي «بانوراما»، وكان له صداه الذي لا يعادله صدى كل «العمليات» الإعلامية العربية التي تستخدم الصراخ في لفت الانتباه في عالم لاهث لا يعبأ بالصراخ، لكنه على استعداد للاستجابة للغة الهادئة التي تضع أمام عينيه الحقائق وتتركه يحكم بنفسه. كان برنامج «المتهم» أي «شارون» محاكمة حقيقية، لا صراخ فيها ولا مكان فيها لمحام بليغ يدبج الكلام، بل كانت اللغة هي اللقطات الحية لجثث ضحايا صبرا وشاتيلا الصرعى المنتشرة في جميع جنبات المخيم الفلسطيني، وشهودها كانوا الجنود الصهاينة أنفسهم واعترافاتهم بالمشاركة فيها سواء بالمشاركة الفعلية أو بالمشاركة غير المباشرة من خلال إغلاق الطرق المؤدية إلى المخيم لمنع الهرب منه أو وصول قوات حماية فلسطينية إليه، أو إنارة السماء للقتلة ليقوموا بعملهم في هدوء. إضافة إلى هذا كانت تلك اللقطات الواضحة التي قدمت شارون وهو يرسم لجنوده وضباطه وعملائه حدود الجريمة على خارطة معلقة على الحائط، واضعا إصبعه على طرق الدخول والخروج من المخيم. لينتهي بالحكم النهائي على شارون من أحد أعضاء محاكمة مجرمي الحرب في البوسنة والهرسك الذي سخر من نتيجة لجنة التحقيق الإسرائيلية التي قالت ان مسئولية شارون غير مباشرة عن المذبحة، فقد أكد الخبير القانوني أن الوزير مسئول مسئولية كاملة ومباشرة عما يرتكبه جميع مرؤسيه، ويضاف إليها أن شارون لعب دورا أساسيا في التخطيط والتنفيذ، بل ان فكرة المذابح الجماعية التي تم ارتكابها في صبرا وشاتيلا كانت فكرته، لأنها تتسق مع فكره في ارتكاب المذابح الجماعية ضد العزل من الشعب الفلسطيني منذ ان وطأت قدماه تلك الأرض المقدسة التي رواها بدماء ضحاياه الأبرياء. فتح ملف شارون أمام المحاكم البلجيكية جاء متأخرا تسعة عشر عاما، لكنه أصبح الخطوة التي لا تراجع عنها، والتي يجب أن يستمر الشعب الفلسطيني على طريقها دون النظر إلى متطلبات السياسة التي قد تجبر قيادته على قبول ما لا يمكن قبوله، لأن فتح الملف القضائي ضد شارون يعد من أخطر التطورات التي تشهدها القضية الفلسطينية الان، ولذلك لا يجب الخلط بينها وبين أي تسويات سياسية ممكنة، السير في طريق التفاوض لا يجب أن يمس في شيء ملف محاكمة شارون وغيره من المجرمين الصهاينة أمام محكمة دولية، بل يجب أن يكون داعما للمفاوض الفلسطيني. فتح ملف محاكمة شارون سابقة لا يجب التراجع عنها، ويجب فتح ملفات أخرى مماثلة له ولكل مجرمي الحرب في إسرائيل من شارون إلى بيريز وكل هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الذين يدعون إلى عمليات اغتيال في وضح النهار، ويعترفون علانية بأنهم ارتكبوا تلك الجرائم، في كل الدول التي تقبل مثل هذا العمل، أما الدول التي لا تقدم قوانينها تسهيلات لفتح ملفات يجب فتح قنوات إعلامية على الرأي العام فيها من خلال المنظمات غير الحكومية والناشطين من دعاة حقوق الإنسان. لكن لا يجب أن ننسى أن القاضي الأسباني بالتاثار جارثون كان أول من حرك سطح البحيرة الراكد وفتح الطريق الجهنمي أمام كل مجرم على شاكلة شارون وغيره من الصهاينة تسول له نفسه ارتكاب مثل تلك الجرائم، فما أراده القاضي الأسباني لمحاكمة دكتاتور اصبح أداة لمحاكمة مجرم مثل شارون سواء كان يقصد هذا أم لا، فقد ساهم في فتح الطريق أمام شارون ليدخل قفص الاتهام. ـ كاتب مصري * HYPERLINK mailto:tshahin@maktoob.com tshahin@maktoob*_Hlt518044565.*_Hlt518044565com