خلال شهر واحد، هو هذا الشهر الذي يزحف بطيئاً بحرارته ورطوبته واختناقاته، هذا الشهر الذي لما ينتهي بعد، طالعتنا الصحف العربية نقلاً عن البريطانية بخبر انتحار اثنتين من النساء الشهيرات، واحدة من عالم الثراء والمال والمكانة، واخرى من عالم الفن والتألق والشهرة، كلتاهما انتحرتا في الغربة، وقيل في أسباب انتحارهما الكلام نفسه. ففي منتصف الشهر تقريباً نشطت شرطة «سكوتلانديارد» في لندن لفك ألغاز وفاة الأميرة الايرانية الأصل ليلى بهلوى ابنة شاه ايران السابق والتي تحمل ووالدتها جواز سفر منحهما اياه أمير موناكو، وقد قيل في اسباب وفاتها انها جاءت صادمة ومروعة للأم الامبراطورة السابقة فرح ديبا، والتي ارجعت الوفاة الى حالة الاكتئاب التي عاشتها ليلى طوال سنوات شبابها منذ خرجت من ايران طفلة في التاسعة لتعيش مع أسرتها آلام النفي وبكاء مجد ولى ولن يعود ابداً ! ومع نهايات شهر يونيو الخانق، طيرت الوكالات والأخبار نبأ وفاة سندريللا الشاشة العربية (سعاد حسني) التي تبين فيما بعد وحسب بيان شرطة (سكوتلانديارد) انها كانت بفعل انتحار سعاد التي قذفت بنفسها من الطابق السادس بسبب حالة الكآبة التي كانت تعانيها وتعالج منها منذ عشر سنوات يوم بدأت حالتها النفسية بالتدهور بسبب فشل أحد أفلامها. وأن تقضي عمرك في المنفى، بعيداً عن رائحة الوطن ولونه وحميميته، بعيداً عن الأصدقاء ودفء العائلة مشرداً في طرقات المدن البديلة، والأوطان التي قد تهبك جوازها ربما، وجنسيتها ربما، وشقة راقية ووظيفة ربما، لكنها لا تهبك حنانها ولا تزرعك في عمق شرايينها في حالة من الغربة هذه، انت تموت بلا موت ولا جنازة فما بالك اذا كنت قد اتيت الى الغربة مرغماً؟ ما بالك اذا كانت الحياة قد اقتلعت من قصور ومباهج واضواء وحياة كالمخمل وحقول الزنبق؟ ماذا ستفعل اذا اعطت الحياة بلا ذنب شهادة خروج من هداية الوطن ورحمته الى ضلال الغربة وتيهها وقسوتها؟ ليلى حاولت ان تتقبل حكاية انتزاع التاج من رأس ابيها ووالدتها، وان تبكي والدها الامبراطور المشرد في اواخر حياته، وان تفهم أسباب ثورة الملايين عليه وكرههم لعائلتها، لكنها لم تتصور انها ستعيش في الغربة والمنفى كل الطفولة وكل الشباب وأنها ستموت بدم بارد برودة طقس مدن الشمال ولذلك انتحرت لأنها لم تحتمل. وسعاد فعلت مثلها تماماً، فغربة الروح قاسية، وموت المشاعر والانتماء قاتل، والوحدة شكل آخر للانتحار، والحياة التي بلا لون ولا أصدقاء ولا عائلة ولا كلمة حانية او نظرة دافئة، الحياة بلا صديق بلا حبيب، بلا اهل يخافون عليك وتحن اليهم، يفرحون بك وتبتهج لوجودهم، بلا وطن نزرعه في الدم ويضج في الخلايا ونهايات العظم، الحياة على الاسرة البيضاء وبين الجدران البيضاء والوجوه التي غادرها دم المحبة.. هي رديف آخر للموت. المنفى موت حقيقي، والغربة يتم بلا رحمة، وان تقرر ليلى او سعاد أو.. الاندفاع باتجاه الموت الفاجع للخلاص منه، فتلك نتيجة.. اما ان تكون منطقية او عبثية، فسؤال نحيله الى سؤال آخر: وهل للمنفى منطق؟ هل للغربة او الاغتراب منطق؟.. اذن المنطق العبث لا يقود لغير النهايات العبثية!