تبدو عناوين الروايات أحياناً مفعمة بالدلالة، تشع بلاغة وفصاحة في قدرتها على تكثيف مجمل احداثها، او حاملة في كلمات قليلة المغزى النهائي المراد توصيله للقارئ، ولا يتحلى بهذه القدرة الأدبية سوى المبدعين اصحاب الرؤى والمشاريع الفكرية والضالعين في فنون البناء والمعمار الروائي من أمثال نجيب محفوظ ويحيى حقي وحنا مينا ويوسف ادريس وجمال الغيطاني. وقد ينجح الروائي عندما تتجلى موهبته وتشف رؤيته في جعل شخوص روايته وكأنهم أشخاص حقيقيون من لحم ودم، بل يتجاوز احياناً الواقع، ويختزل في شخصية واحدة عدة شخصيات تحمل جوانب مختلفة من نموذج الشر أو الخير، الذي يتواجد بنسب متباينة على مسرح الحياة. فمثلاً، ابدع نجيب محفوظ شخصية المثقف المتردد العاجز الحائر ابن فترة ما بين الحربين العالميتين، الى جوار المثقف الانتهازي والآخر اليساري وقرينه الاسلامي في رائعته «الثلاثية» مثلما استلهم الغيطاني نموذج رجل السلطة المراوغ الذي يخفي شروره بقناع براق يضلل الجمهور في «الزيني بركات». وتبقى قدرة اديب او روائي البحر حنا مينا شاخصة تذكرنا دائماً بروعة الخيال الادبي عندما يضمخ بنبت الواقع ويحلق في أفق انساني. ففي روايته «نهاية رجل شجاع» تظل صورة الرجل العادي في تكوينه، الذي لم يحظ بقسط من التعليم، وانخرط في معركة الحياة، ماثلة امام عينيك حتى بعد ان تنتهي من قراءة الكلمة الاخيرة، وتجد ذهنك مشحوناً بتساؤلات حول قانون الصراع الذي يحكم حياتنا، وربما تتشابك مشاعر الغضب وربما الاستياء، على الانتصارات المجانية التي تمنحها قواعد اللعبة دائماً للانتهازيين والاوغاد والحقراء، في حين يحاصر من يظن في نفسه الشجاعة على قول الحق دائماً وسط جوقة المداهنين، وربما ينقضي اجله قبل ان ينفك حصاره، وتصل كلمته الى مرماها. اما الأعجب في قدرة الأديب والروائي، وهنا مازلت أذكر حنا مينا، فهي التقاطه الذكي واللماح لنماذج من الحياة، واعادة صياغتها لتجسد لنا نماذج ينفرنا منها او يحببنا فيها بحسب قربها او بعدها من مركز الخير والاستواء الانساني والنفسي. فعندما تريد ان تدلل على اجتماع كل اوصاف الشر واللاانسانية في احد ـ معاذ الله ـ نقول عنه انه يكره نفسه، اي انه مهما بلغت أنانيته وانتهازيته يبقى أسيراً في دائرة الكره منبوذاً من الجميع حتى نفسه، وهذا الذي دفع حنا مينا الى عنونة احدى رواياته بـ «الرجل الذي يكره نفسه». على ان الذي يكره نفسه، لا يكتشف حقيقته الا بعد فوات الاوان، ربما تحت ضغط الوهم بأنه يمتلك الدنيا من أركانها الاربعة، وربما تحت تأثير الخيالات الكاذبة، التي يخلقها الواقع المختل، او عندما تصبح الحقيقة مطاردة بجيوش الزيف، وتصاب الألسن الوضاءة بالخرس بسبب ضجيج الكذب المسموع والمرئي. ولا تنحصر قيمة وثراء المعمار للروائي وتنوع شخوصه في مضاهاة الواقع، بل تنقلنا الى مستوى اعلى من القدرة على فهم دخائل هؤلاء الذين يكرهون انفسهم وينساقون بدوافع شيطانية لتدمير العالم، حتى وان كانوا هم الذين يحتكرون لأنفسهم حق التمتع بكل شيء، وقانا الله شرهم... آمين.