أول شيء أفعله عندما أصل الى منزلي في مدينة كيمبردج، وبعد أن أفتح الباب الرئيسي للبناية بالمفتاح الخاص بي، وأفتح الصندوق متلهفا على الخطابات الواردة من الأهل والأصدقاء في القاهرة وغيرها، وأحمل الخطابات بين يدي فرحا، وأتطلع الى ركن يشبه المصطبة، يضع عليه ساعي البريد الأظرف الكبيرة والطرود التي تحمل الكتب أو المجلات أو أشرطة الفيديو أو الـ «دي في دي»، وأحمل ما أجده لأصعد إلى شقتي في الدور الرابع متعجلا فتح الباب، والتخفف من المعطف وما أشبه، والجلوس الى المنضدة الموجودة في أول الصالة، ومطالعة الخطابات والطرود. وأبتدئ، طبعا، بخطابات الأهل والأحباب والأصدقاء، فإذا فرغت منها انتقلت الى غيرها، وتصفحت ما يستحق القراءة، وما هو مرسل لي من بعض دور النشر، أو حتى من بعض أصدقائي في الولايات المتحدة، ومنهم الصديق فتحي أبورفيعة الذي يعمل في الأمم المتحدة، ويقيم في نيويورك، والذي يواظب على ارسال بعض الكتب المتميزة التي يرى أنها تهمني. لكن ليس هذا ما يحمل البريد، فهناك عشرات من الخطابات التي تحمل مواد دعائية، ونشرات لا أول لها ولا آخر، بل اغراءات بتغيير الشركة التي تتبعها في المكالمات الدولية بحوافز لا يمكن لأحد مقاومتها.. الخ. وهذا النوع من الخطابات أصبحت أعرفه من شكله الخارجي بحكم الخبرة، وأسرع بتنحيته تمهيدا لالقائه في سلة المهملات. ولكن لفت نظري مظروف أبيض تكررت ملاحظتي له، وألقيته أكثر من مرة في سلة المهملات. ويبدو انه جذب انتباهي هذه المرة لانه كان على رأس خطابات النشرات، ولم أكن قد تلقيت خطابات من أحد في هذا اليوم. أمسكت بالمظروف الأبيض فلاحظت في أعلاه من ناحية اليسار كلمة (توقعات عظيمة) أو (آمال عظيمة)) وبين كلمتي (توقعات) و(عظيمة) المطبوعة بالبنط الأسود العريض رسم باللون الأحمر لقلبين متداخلين بحالة حب. وأسفل هذين القلبين فتحة دائرية في المظروف، يبرز منها بلونه الأحمر قلب كبير يجذب العين. والى يسار دائرة هذا القلب ثلاثة أسطر فوق بعضها بالبنط العريض يقول: (أين تذهب لكي تقابل نوعية متميزة من الأفراد). والمقصود الأشخاص الذين لا رفيق لهم أو حبيب أو زوج من الرجال والنساء. وفتحت المظروف. واذا بورقة مطبوع على وجهها الأول خطاب بعنوان (عزيزي الوحيد: إن ايجاد الوقت لمقابلة أفراد وحيدين مثلك وتطوير علاقة مع هؤلاء الأفراد الجدد مسألة تغدو صعبة كل عام، وذلك لأننا لا نتعرض بالقدر الكافي الى النوعية المتميزة من الأفراد الوحيدين، فنحن منهمكون في عملنا، مستغرقون في الحدود الضيقة لدائرة أصدقائنا.. وكلما أصبحنا أكثر انشغالا، اصبحنا لا نجد الوقت الكافي للبحث عن معارف جديدة، وتضيق دائرة اختياراتنا ولذلك فاننا نأمل في فرص نادرة، أو لقاءات غير مرتقبة ، وذلك كله لا يكفي. وتوقعات عظيمة تعرض عليك طريقا أفضل. فقد خدمنا آلافا من الأفراد الوحيدين (العزاب) الذين قابلوا من أسعدوهم عن طريقنا. وفي الواقع، فإن نجاحنا سجلته برامج تلفزيونية ناجحة مثل برنامج فيل دوناهو، أوبرا، سالي جيسي رافييل، وبرنامج 48 ساعة في السي بي اس، فضلا عن محررين في المجلات البارزة مثل النيوزويك وجرنال وول ستريت وجلامور ومس والينو ريباببليك.. الخ.. ونحن نجعل مقابلة المتميزين والمتميزات سهلة. وانت لن تضيع وقتك في مقابلة أناس لا تريدهم، ففي الفيديو الشامل الذي نقدمه مايتيح لك تحديد كل شيء بنفسك. ان شرائط الفيديو الخاصة بنا تجعلك ترى في وقت فراغك مكتبتنا الكاملة من الأفراد المختارين الذين يزيدون على مئة وثمانين ألف عضو على امتداد الولايات المتحدة، في أكبر مجموعة للاختيار. وفي خصوصية مريحة وسوف ترى وتسمع هؤلاء في محادثات مسترخية بواسطة الفيديو. ويمكن لك بعد ذلك أن تختار من تريد أن تقابل. ونحن نقدم برنامجا فعالا على نحو مدهش ومحترم لكي نساعدك على اختيار الأشخاص الذين تريد أن تدخل في علاقة معهم. ولذلك فلا تضيع وقتك الثمين على مواعيد عشوائية أو مع الخاسرين. ولكي تعرف المزيد عن كيفية وصولك الى علاقة ايجابية تفتقدها في حياتك، استكمل الاستبيان الموجود على ظهر الخطاب وأرسله الينا، أو هاتف مركزنا المحلي القريب منك اليوم. والمعلومات مجانية. وماتكتبه سري. ولا الزام لنا تجاهك. وربما كان الرفيق المناسب المحتمل الذي قد لا تقابله بالطرق العادية ينتظرك الآن على شرائط الفيديو التي سوف نمكنك من رؤيتها بعد اتصال واشتراكك في العضوية). وتحت الخطاب توقيع باسم امرأة هي مديرة مركز (التوقعات العظيمة). والى جانب التوقيع مساحة بيضاوية باللون الأحمر مطبوع عليها بالأسود (من فضلك أكمل الاستبيان السري وأرسله الينا اليوم. استكشف اختياراتك.. وستجد كم هو سهل أن تقارب أقرانا ناجحين ليس عندهم وقت مثلك للبحث الطويل على الرفاق المناسبين). وتحت ذلك تحذير يقول: (إذا كنت متزوجا أو داخلا في علاقة جادة، فاقبل اعتذارنا في الاتصال بك، وأعط هذا الخطاب لصديق وحيد أو صديقة وحيدة). وعلى أيسر الخطاب، وعلى امتداد الصفحة، مراكز (التوقعات العظيمة) وقد عددتها فوجدتها ثمانية وأربعين مركزا على امتداد الولايات المتحدة مع رقم التليفون الخاص بكل مركز. وعندما قرأت ذلك كله، لم أقاوم الفضول في مطالعة الصفحة التي تحمل الاستبيان فوجدتها على شكل خطاب مرسل الى المركز، ويعلوه اقرار بالموافقة على الاشتراك في العضوية وطلب التفاصيل، وتحت ذلك قسمان: قسم عن الشخص (الذكر أو الانثي) الذي تبحث عنه من حيث العمر والتدخين ومكان الاقامة والتعليم والعمل والمظهر والديانة والوضع الاسري و الاهتمامات الثقافية. وقسم عن الطالب نفسه: من حيث وضعه الاجتماعي، وتوقعاته، وهدفه الاجتماعي من العلاقة، ودرجات دخله (تحت خمسة عشر ألف دولار في العام، وهو الحد الأدني، ثم درجات دخله مئة ألف دولار في العام) ومعلومات أخرى لا تترك شيئا عن هذا الطالب. وقد فهمت أن كل هذه المعلومات تدخل الكمبيوتر الرئيسي للمركز الذي يقوم بواسطة الكمبيوتر بتقديم الاختيارات التي تتناسب وكل شخص. وهكذا، تستطيع وأنت جالس في منزلك، أو حتى في مكتبك، أن تفتح جهاز التليفزيون الخاص بك، وتشاهد عشرات النساء، اذا كنت رجلا، أو عشرات الرجال اذا كنت امرأة، وذلك في عمليات تقديم تتيح لك اختيار من تشاء، ويساعدك المركز على اكمال عملية الاتصال. الحق أن فضولي تزايد لمعرفة بقايا هذه العملية، ولكن ذلك يتطلب الاتصال بمقر المركز في مدينة بوسطن، فأنا متزوج، ومستقيم، من المنزل الى الجامعة ومن الجامعة الى المنزل كما أقول لزوجتي، وجاوزت السن الذي يغري بالمغامرة، ولست على استعداد للدخول في هذا النوع من المغامرات. حسبي معرفة مايدور حولي، وقد عرفت من اصدقائي الأمريكان أن مركز (التوقعات العظيمة) ليس الوحيد، ولاحظت أن الجرائد المحلية تخصص صفحة للتعارف، وهي صفحة أتسلى أحيانا بمطالعتها لاعرف الحالات والاعمار والوظائف. وكان من السهل ملاحظة أن الشباب لا يقبل على هذه النوادي. ولا على قراءة هذه الصفحات، فالشباب يملك الوقت، ويملك امكانيات الاختيار الواسعة، أما متوسطو العمر من الرجال والنساء. وأما العواجيز من الرجال والنساء، فأمرهم مختلف، ولذلك فهم يقبلون على مراكز (التوقعات العظيمة) حلا للذين يعانون تعاسة الوحدة، ويمتلكون المال للانفاق على نزواتهم التي يمكن أن تساعدهم عليها أندية القلوب الوحيدة. ولم يفتني بعد البحث العابر أن أعضاء هذه النوادي لا يخبرون أحدا بهذه العضوية، ولا بما يدفعون فيها، ولا حتى بما يحلمون بأن يحققه لهم هذا النادي أو ذاك المركز للقلوب الوحيدة. لكن الذي لا شك فيه أن اختيار عنوان رواية الكاتب الانجليزي الشهير شارلز ديكنز عنوانا للنادي مسألة تكشف عن مستوى ثقافي بعينه، يمكن أن يتصف به القائمون أو القائمات على نوادي القلوب الوحيدة.