مشروع الدرع الصاروخية الدفاعية اسم على غير مسمى فاستراتيجياً هو اقرب الى طراز الاسلحة الهجومية منه الى الدفاعية واذا شئنا الدقة لقلنا انه مشروع الولايات المتحدة لاستدامة هيمنتها على الشئون العالمية لما تبقي من هذا القرن. ابلغ الادلة على ذلك هو ضعف التسويفات والتعليلات التي تسوقها الادارة الامريكية لتبرير اندفاعها وراء ذلك المشروع الضخم حيث تركز على ابراز تخوفاتها من دول هي الان تحت الحصار المحكم شأن كوريا الشمالية والعراق وايران والاستراتيجيون الامريكيون الذين يرجون لهذا المشروع ما سئموا من تكرار زعمهم بان ذلك المشروع انما صمم ليقي الولايات المتحدة وحلفائها شأن تايوان واسرائيل من ويلات القصف الصاروخي من تلك الدول المسماة بالدول الحمراء حينا والدول الارهابية حينا اخر والدول المارقة في اخر تسمية لها ليست هي الاخيرة بالتأكيد. من يقتنع؟! مهما كرر الاستراتيجيون المسوغون والمسوقون لذلك المشروع من الفاظ التفزيع والترويع فان الرأي العام الامريكي لا يصدق ولا يستجيب حتى يوم 21 يونيو الحالي فان نسبة لا تتجاوز 16% من المواطنين الامريكيين هي التي تعتقد ان مشروع الدرع الصاروخية ضروري بالنسبة للامن القومي الامريكي ونسبة لا تتجاوز 19% تعتقد ان ذلك المشروع غير مجد وان تجاربه غير واعدة بأي نجاح ونسبة لا تتجاوز 20% تعتقد ان المشروع مصمم لتحقيق ارباح للشركات المتخصصة في الصناعات العسكرية هذا بينما يرى نحو 36% ان المشروع سيجر الى عواقب وخيمة في مقدمتها تشجيع سباق تسلح جديد بين الدول العظمى. هذه المجموعة الاخيرة من أصحاب الرأي تبدي فزعها من ان هذا المشروع سيؤدي تلقائيا الى الغاء كل الاتفاقيات الدولية السالفة في مجال تحديد انتشار الاسلحة الاستراتيجية يجري هؤلاء ان الولايات المتحدة بسلوكها ذاك تتيح الفرصة لكل من الصين وروسيا لينشطا صناعاتهما العسكرية وليشكلان من جديد خطرا ضخما يهدد الولايات المتحدة وهكذا فالمشروع غير مبشر بأي نجاح للتصدي للهجمات الصاروخية وهو من باب اخر يفتح المجال للدول التي يمكن ان تهاجم امريكا في المستقبل لكي تواصل تجاربها الصاروخية والنووية بلا حدود وبلا مراقبة من اي جهة. التحلل من طرف واحد هكذا يقول هؤلاء لكن يرد عليهم صناع القرار في الكونجرس قائلين ان امريكا ستتحلل من التزاماتها بكل اتفاقيات الحد من التسلح بما فيها ستارت الاولى والثانية ولكنها ستعمل في ذات الوقت لالزام روسيا للعمل بها واقناعها بكفكفة مخاوفها وطمأنتها بان الولايات المتحدة لا يمكن ان تستهدفها بأي هجوم في المستقبل اما اذا لم تقتنع روسيا بذلك ولم تطمئن فيمكن ان تقوم الولايات المتحدة بتوقيع اي اتفاقيات جديدة معها على انقاض اتفاقية 1972 أو عقدت اتفاقيات اخري تعطي استثناء للدرع الصاروخية من اتفاقية 1972 اما اذا رفضت روسيا كل ذلك فلتترك اذن لشأنها ولتتفرغ امريكا لمهمتها الحاسمة في صناعة مظلة الوقاية من الهجمات الصاروخية المحتملة فذلك اهم من اي اتفاقيات سابقة مع روسيا واهم من اي امل لعقد اتفاقية ستارت الثالثة. ان كل تلك الاتفاقيات ما عادت ذات قيمة كبرى لامريكا اذ انها تصف وتعالج واقعا تجاوزته الان ولا تريد ان ترجع اليه بعد ان افلحت في تفكيك الاتحاد السوفييتي السابق ووصلت الى مقام القطبية الاحادية التي لا تجارى وهو مقام تريد ان تحافظ عليه باحراز سلاح فريد لا يتأتى للاخرين. دولة «مارقة» كبرى! ان للمخططين الاستراتيجيين الامريكيين الحق في التهوين من خطر الصين في مجال الاسلحة النووية والصاروخية اذ ان امام الصين مشواراً طويلاً عليها ان تقطعه حتى تلحق بركب الولايات المتحدة وروسيا وفي هذا المستوى فان الصين لاتعامل في التصور الامريكي - غير المعلن - الا على انها احدى الدول الحمراء المارقة. وهي متهمة بانها تزود قائمة الدول الاخرى «المارقة» في الشرق الاوسط بالتقنيتين النووية والصاروخية وبانها وراء التطور المتسارع للتقنية الصاروخية في العالم الثالث حيث اكتشفت بعض تلك الدول جدوى السلاح الصاروخي وقلة تكلفته المادية واندفعت وراء اقتنائه او تصنيعه محليا. وتريد الولايات المتحدة ان تجرد الصين من السلاح الصاروخي نهائيا لاسيما ان مخزون الصين من الرؤوس النووية التي يمكن ان تحمل الصواريخ محدود جدا بالمقارنة بما لدى امريكا وروسيا منه واذا كان نجاح مشروع الدرع الصاروخية قد لا يحمي الولايات المتحدة من اي هحوم صاروخي نووي كثيف تشنه عليها روسيا يحميها من اي هوم صاروخي نووي صيني لانه سيكون محدودا نسبيا ويمكن اعتراضه بتلك المظلة الواقية. ولان الصين تقدر جيدا استهدافها بمشروع الدرع الصاروخية فهي تقود مقاومته عالميا بأكثر مما تفعل روسيا ولهذا انشأت الصين تحالفا دوليا جديدا تحت مظلة «منظمة شانغهاي للتعاون» التي ضمت روسيا وكازاخستان وقيرغستان وطاجيكستان واوزبكستان وقد استصدرت الصين من اجتماع تلك المنظمة الذي حضره رؤساء الدول الست في الاسبوع الماضي تصريحا قويا يطالب بالابقاء على اتفاقية الحد من الصواريخ البالستية لـ 1972 وبرفض مشروع الدرع الصاروخية من حيث المبدأ وخصيصا اذا طبق اي جزء منه في القارة الاسيوية «لحماية اليابان وتايوان». ان مجرد انخراط الصين في تحالق اقليمي ضخم مثل هذا يعد انجازا عظيما لدولة عانت تاريخيا من العزلة كما انه يمثل خسارة كبيرة للجانب الامريكي الذي استفز الصين كثيرا بمشروع الدرع الصاروخية الذي مثلها كدولة خرقاء مارقة تهدد الامن العالمي بينما هي تعد نفسها دولة عظمى مسئولة تهدف الى الحفاظ على امن العالم. فشل وخسائر وهكذا فان مشروع الدرع الصاروخية لا يحقق مرحليا الا فشلا اثر فشل على صعيد بحوثه وتجاربه وخسائر اثر خسائر على صعيد الدبلوماسية الامريكية ولكن اصحابه لا يزالون مع ذلك شديد التشبث به والدفاع عنه والزعم بانه سيحقق النجاح الكافي الذي يكفل للولايات المتحدة لكي تتمتع بما تتمتع به حاليا من مقام السيطرة والهيمنة العالمية الى اقصى مدى زمني ممكن. وثمة بعد ديني غير مذكور يدفع نحو انجاز مشروع الدرع الصاروخية حيث يقف غلاة اليمين الديني الامريكي عن بكرة ابيهم وراء ذلك المشروع كيف لا وهو قد تولد اساسا عن مشروع حرب النجوم الذي انفق فيه نحو 38 مليار دولار وهو مشروع اقترن بفكرة حرب هرمجدون في ايام ريجان، ان فكرة المشروع ـ الدرع الصاروخية وان كانت لا تختلف عن طبيعة التفكير الديني «الماورائي» وان كان المدافعون عنها ومنهم وزير الدفاع الامريكي يحاولون ان يعطوها صورة من التفكير العلمي وكلما نعي عليهم معارضوهم كثرة التجارب العلمية الفاشلة التي جرت في اطار المشروع حتى الان ردوا بانهم واثقون من النجاح وانه كلما كثرت المحاولات الفاشلة كلما اقتربوا من النجاح. ربما كان تفكيرا علميا يحتذى حذو العباقرة الجهابذة الذين تكلل سعيهم الصبور بكبريات المخترعات ولكنه ربما كان ايضا من قبيل اليقين «الدوغمائي» الذي دفع من قبل بالفيزيائي النووي ادوارد شيلر لاقناع رونالد ريجان بان ثمة حلا سحريا سيعالج فشل مسألة دفع المقاتلات الامريكية الى عالم الفضاء الخارجي بواسطة الضغط النووي واستنفد ذلك العالم كل الجهد والوقت والمال ولم يصل الى شيء ذي بال مهما كانت طبيعة التفكير فالادارة الامريكية برمتها تقف وراءه ابتداء بالرئيس ثم نائبه الذي كان وزيرا للدفاع ثم وزير الدفاع الحالي الذي عمل في السابق باحثا في اطار المشروع ثم وزير الخارجية الذي لايزال يحس بان قبعة الجنرال متمكنة من لمته. ـ استاذ العلاقات الدولية الميسيسبي - الولايات المتحدة