نظام الترجمة الفورية أو الآنية الذي أشرنا اليه في المبحث السابق باسم (ساتسي) سوف يشكل عنصرا أساسيا يدخل ضمن شبكات الهاتف العالمية في السنوات القليلة القادمة. سيتم ذلك في اطار الاسلوب الذي يطلق عليه الاختصاصيون اسم (الانفوميديا) بمعنى وسائل الاتصال المحدثة التي تجمع بين تمكين البشر من التواصل معا عبر السبل المختلفة من الهاتف السلكي الى الفاكس، ومن الهواتف المحمولة اللاسلكية الى البريد الالكتروني في أشكاله الممتعة في التطور والكفاءة وبين سبل تزويد البشر ايضا بالمعلومات المختلفة سواء كانت شخصية أو كانت جماهيرية على نحو ماتحمله وسائل الاعلام المسموعة والمرئية على السواء. في هذا الصدد يقول الاختصاصيون ببساطة: في السنوات العشر المقبلة، سيكون بوسع أي مستمع للراديو وأي مشاهد للتلفاز أو الفيديو أو أي مستخدم للحاسوب أن يتعامل مع البيانات واللغات المستخدمة ولكن بلغته الوطنية التي يفهمها المستمع أو المشاهد أو المستخدم المذكور وذلك بصرف النظر عن اللغة الأصل المستعملة في المادة الأصلية و طبعا سوف يرجع الفضل الى نظام ساتس الذي تناولناه في الحديث السابق الذي سوف يتولى كما قد نكرر من باب التذكرة. ترجمة اللغة الأصلية الى اللغة الهدف، لا على جناح السرعة بل على جناح التلقائية الأوتوماتيكية الفورية بل الآنية مستفيدا في ذلك بداهة مما طرأ من التطويرات والتجديدات المذهلة أو شبه المذهلة على أجيال الحواسيب - كائنات الذكاء الأصطناعي كما يحب البعض أن يسميها. أكثر من هذا. فمع تطوير وتحسين تكنولوجيا التعرف الصوتي.. سيكون بالوسع تشغيل مرافق مختلفة وخدمات لا تحصى وماكينات مفيدة في حياتنا اليومية باستخدام هذا الأسلوب الذي سوف يكون قادرا على تلك الترجمة الآنية من لغة الى لغة ومن ثم لن يشعر الإنسان، أي إنسان بالغربة ولو وجد نفسه في آخر أطراف العالم المغمور. والفضل في ذلك نكرر لنظام ساتس الكلي الاحترام! قرية منسية بالصين مثلا.. يشط بك المزار وقد تطوح بك ظروف الترحال بصدفة ما الى حيث تجد نفسك وأنت سليل اليعاربة الاقحاح في قرية منسية من اصقاع الصين أو من نواحي سيبيريا بالطبع لن تسعفك لغة صينية ولا روسية ولا القوم يتكلمون غير رطانتهم.. ولكن لا عليك هكذا يؤكد المهتمون بتكنولوجيا (الكات) ويقصدون بأن الترجمة باستخدام الحاسوب سوف تنطلق بلغة عربية فصيحة تقول مثلا: افتح الباب.. أو (دلني على طريق شركة الطيران) ولن تدهش اذا مافتح الباب أو ظهرت على شاشة الحاسوب بعربية فصيحة أيضا ارشادات تقودك الى شركة الطيران وقل الشئ نفسه على أوامر تصدر بأي لغة وطنية أو قومية لأي إنسان في فندق أو في مطعم الترجمة بطريقة واضحة ومفهومة. تطوير الهواتف الشخصية الى هذا يضيف الأستاذ سام ليمان فلزج في دراسته التي اشرنا اليها في الجزء الأول من هذا المبحث سوف يتم تطوير الهواتف المستخدمة للاتصال الشخصي لكي تزود بنظام ساتس للترجمة اللحظية باستخدام تكنولوجيا الحاسوب ومن ثم فكل شخص سوف يتكلم بلغته القومية في حين أن نظيره الذي ينصت على الطرف الآخر من خط الاتصال الهاتفي سوف يسمع الحديث مترجما في نفس الثانية الى لغته القومية أيضا. مع هذا كله ينبه الأستاذ سام ليمان فلزج في الدراسة التي نشرتها له مجلة المستقبل (ذي فيوتشرست) عدد يونيو 2001 إلى أن نظام الترجمة المذكور ساتس لن يصل الى درجة الكمال من حيث الكفاءة والنجاعة والاتقان، ولكن الباحث لا يلبث ان يضيف مستدركا ان المترجمين البشر مهما كان باعهم طويلا وقدراتهم فائقة لا يصلون قط الى درجة الكمال من حيث الكفاءة والنجاعة والاتقان. مزايا الذكاء الاصطناعي اذن.. ما الذي يميز هذه الترجمة الحاسوبية عن الترجمة البشرية؟ يوضح صاحب الدراسة أن أولى ميزات هذا الأسلوب المستخدم للذكاء الاصطناعي على الذكاء الإنساني هو امكانية تعدد اللغات المستخدمة فالمترجم البشر يمكن اذا كان ممتازا ان يترجم بين ثلاث الى خمس من اللغات في حين المترجم الكمبيوتر يمكن اذا وسعوا له ذاكرته اللغوية ان يمارس الترجمة بين عدد كبير من اللغات وفي وقت واحد، ثم أن المترجم المحوسب سوف يستخدم أسلوب تعدد الوسائط - الملتي ميديا وهو بدوره أسلوب أكثر فعالية من حيث الافهام والتأثير والاقناع وربما من حيث التسلية والامتاع ايضا.. لماذا؟ ـ لأن الشخص لن يتلقى الترجمة بالسماع فقط كما في الترجمة البشرية حاليا بل يمكن أن تنقل اليه مفاهيم اللغة الأخرى مصحوبة بصور وايماءات و ايقاعات واشارات بحيث لا يقتصر الأمر على تفاعل لغوي بل يتعداه الى مايمكن وصفه بأنه تلاقح ثقافي بين ثقافتين أو حضارتين. ـ أو على رأي صاحب الدراسة المنشورة في المطبوعة المستقبلية الأمريكية التي نحيل اليها في هذه السطور. سيكون بوسع رجل الاسكيمو مثلا وهو يقرأ نصا مترجما عن اليابانية أن يرى بأم عينيه حبة الأرز التى لم يرها في حياته يوما حبة (العيش) التي لا يعرفها مجتمع الاسكيمو. في جنوب أفريقيا بيد أن المسألة لا تتعلق بمجرد الفهم أو الامتاع ناهيك عن حبات الرز المنقولة عبر ترجمة ساتس من مجتمع اليابان الى حياة الاسكيمو. للمسألة أبعاد سياسة لها أهميتها الكبرى في حل مشاكل أعمق وأشد خطرا بين الشعوب أو على حد مايذهب اليه صاحب الدراسة حين يقول: نظام ساتس سوف يساهم في تسوية الصراعات اللغوية التي تشتجر حاليا بين شعوب وأقوام شتى. مثلا: في جنوب أفريقيا ينطوي استخد ام الانجليزية أو استخدام الافريقية أو استخدام البانتو على مشاكل واحتكاكات بل وصراعات يمكن أن تجر الى صراعات عرقية وتعقيدات سياسية على خلفية الحساسيات الاثنية التي يعرفها تاريخ هذا البلد الذي ذاق مرارة عصر الامبريالية حين كان الانجليز متسلطين هم ولغتهم الى فاتح القرن العشرين، ومن بعدهم تسلط البوير المنحدرون من أصلاب المستعمرين المستوطنين الأوروبيين البيض ولغتهم الافريكانو بطابعها الهولندي الجرماني.. الى أن تمكنت الأغلبية السوداء من الافارقة من انتزاع مقاليد الحكم بزعامة نيلسون منديلا قبل أن تأفل شمس القرن العشرين أيضا.. ومن ثم فقد ارتفعت لغتها البانتو الى مستوى الاعتزاز بعد طول قهر وهيمنة وهوان. واذن فكل من اللغات الثلاث مشحونة لدى استخدامها بذكريات ومعان ودلالات مفعمة بمرارات وصراعات لا يحمد عقباها ومن شأن نظام على غرار ساتس أن يتيح لكل طرف أن يتكلم لغته الخاصة انجليزية.. أفريكانية بانتو بينما يفهم عليه الطرف الآخر.. في التو واللحظة بعيدا عن ذكريات المرارة وحساسيات الامر الواقع. الخط الرئاسي الساخن وعلى مستوى رؤساء الدول.. سوف تشهد ساحة السياسة والعلاقات الدولية وعمليات ادارة الازمات جيلا جديدا من (الهواتف الساخنة) ذلك المستخدم كما لا شك سعرف في الاتصال بين رؤساء الدول في حالات تأجج الأزمات. الجيل الجديد من الهواتف الساخنة الحمراء سوف يتيح بداهة وبفضل نظام ساتس سبل الترجمة الآنية ومن ثم امكانات التفاهم المباشر في اطار من الراحة وعدم التوتر بين رؤساء الدول. سوف يعقدون قمتهم ويتبادلون الآراء عنيفة كانت أم مسترخية دون أن يقطع عليهم خلوة القمة أفواج المترجمين والمفسرين. ودون أن تفوتهم معان أو مفاهيم أو دلالات قد تؤدي أحيانا. الى مزيد من سوء الفهم الى حد الاشتعال بل والكوارث في بعض الأحيان. من الطريف أن يضرب صاحب الدراسة نموذجا صار كلاسيكيا في عالم الترجمة في العصر الحديث. وأصل الحكاية كالتالي: عندما كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها قدمت أمريكا انذارها الشهير الى رئيس وزراء اليابان طالبة منه الاستسلام بغير قيد ولا شرط. رد رئيس وزراء طوكيو معلنا على رؤوس الاشهاد مايلي: أن حكومته سوف (موكاساتسو) هذا الطلب الأمريكي. المشكلة الكارثة ان كلمة موكاساتسو تنصرف في القاموس الياباني الى معنيين: الأول: ويفيد في الترجمة بعبارة (النظر في). الثاني: ويفيد على العكس بعبارة (عدم الاكتراث بـ). ولأمر ما اختار المترجمون اليابانيون المعنى الثاني لكي يقدموه بالانجليزية الى العالم الخارجي الذي فهم مايلي من موقف رئاسة الوزراء في اليابان: إن حكومتنا لن تلقى بالا الى هذا الطلب الأمريكي. وكان من الطبيعي أن تفهم واشنطن وكانت في سكرة نشوتها بالنصر على هتلر والمحور أن اليابان ترفض الانذار الأمريكي وهكذا جاء قرار الرئيس الأمريكي ترومان باستخدام أول قنابل ذرية في التاريخ لقصف كل من هيروشيما ونجازاكي في اليابان وكان هو القرار الكارثة بكل المقاييس ولتسامح السماء زملاءنا مترجمي اليابان. 6 مجالات رئيسية ولأن البشرية تتعلم من اخطائها.. ولأن تاريخ الإنسان كما يقولون هو أكبر مدرسة للتعلم والا كرر البشر الاخطاء التي شهدها تاريخهم وكسبهم على مر الزمان فإن المهتمين باستشراف المستقبل ونحن من زمرتهم يقفون بالذات عند 6 من أبرز المجالات التي نتصور أنها سوف تتأثر ايجابيا فيما نرجو بهذا التطور المدهش في دنيا النقل الدقيق، لا بين لسان وآخر ولكن بالأحرى بين ثقافة وأخرى مما يدعم جسور التفاهم بين الأقوام والشعوب. وقد تولى تطوير هذا العرض لهذه المجالات الرئيسية الستة فريق عمل برئاسة البروفيسور (ادوارد كورنيش) رئيس جمعية مستقبل العالم في ماريلاند بالولايات المتحدة. وفيما يلى نعرض بايجاز شديد لتلك المجالات: في مجال الاقتصاد سيؤدي استخدام نظام ساتس للترجمة اللحظية باستخدام الحاسوب الى فتح أسواق جديدة للترجمة اللحظية وخاصة في الاقطار النامية والى المزيد من تيسير تبادل المنتوجات وتفهم التعليمات والارشادات المتعلقة بالماكينات والأجهزة المعقدة بحيث يتسنى وضع هذه التوجهات باللغات المحلية وبأسلوب يجمع في آن واحد بين الكفاءة والسرعة.. ويؤدي أيضا الى الترجمة الفورية بأسلوب الدوبلاج اللحظي لكل المنتوجات الفيلمية في السينما أو التلفزيون. ويكفي أيضا أنه سيتيح الدمج الفوري للعمالة الوافدة ضمن سوق العمل والثقافات المحلية التي تهاجر اليها هذه العمالة. مجال الأعمال الحكومية.. هنا يطرأ مزيد من التطور على عقد المؤتمرات والاجتماعات الدولية ويتاح تلافي الأزمات الدبلوماسية التي قد تنشأ من سوء الفهم اللغوي والمعرفي والثقافي.. ويتيح وهذا هو الأهم مزيدا من التفاعل الى حد الدمج كي لا نقول الانصهار مع الاقليات اللغوية التي سيتم بناء مزيد من الجسور بينها وبين مجتمعات الأغلبية. في مجال السكانيات مزيد من التفاعل بين سكان هذا القطر أو ذاك. مزيد من التدفق السياحي ومزيد من التواصل عبر وسائل الميديا والهواتف وغيرها.. وفي هذا الاطار يتصور فريق العمل الذي ألمحنا اليه.. كيف سيتاح للسائح الغريب الوافد أن يخرج من دائرة الفندق وحيز صناعة الخدمات النمطية الى حيث يستطيع أن يجول في القرى والنجوع وفي الشعاب والهضاب داخل البلد الذي يقصده للسياحة مزودا في ذلك بجهاز صغير محمول يتولى مهمة الترجمة اللحظية الميسورة بين لغة السائح ولغة البلد الذي اختاره للزيارة. في مجال البيئة: هنالك يعيش الناس في أي مكان يختارون.. بعيدا عن، أو قريبا من مسقط رؤوسهم دون أن يخشوا مفارقة الانساق المعرفية والاعراف الاجتماعية والبيئات الثقافية التي نشأوا في كنفها. وكلما أمكن ترجمة وفهم القيم والاعراف التي تسود هذه البيئة أو تلك.. زالت عوامل اللبس أو سوء الفهم وأمكن بالتالي اشراك كل الأطراف في الحفاظ على البيئة وترشيد استخدام مواردها. المجال الاجتماعي: هنا يتيح نظام ساتس المنشود تلقى واستيعاب المزيد من تدفق المعلومات والابداعات الثقافية والفنية على اختلاف لغاتها وهو مايؤدي الى المزيد من ترقية الوعي العالمي وتعزيز أواصر التفاهم بين الشعوب، ناهيك عما يسفر عنه تواصل الأفراد بشكل أقرب الى الحميمية والدفء الإنساني بفضل اتاحة سبل الترجمة اللحظية المركبة داخل أجهزة الهواتف التي يخاطبون من خلالها. وفي مضمار التعليم قد لا يحتاج الطلاب أن يضيعوا سنوات من عمرهم وجهدهم كي يتعلموا لغات أجنبية خاصة لغات الشمال من العالم وفي مقدمتها اللغة الانجليزية كما يحدث حاليا بوصفها الباب الملكي، كما يقال للولوج الى دنيا التقدم العلمي والانجاز التكنولوجي.. كل شئ تقريبا سيكون مترجما، أو سوف تتاح ترجمته الى اللغات الأخرى ومن ثم يستطيع الدارسون أن يفهموه ويستوعبوه. مجال التكنولوجيا: هنا يمكن تدريب المزيد من البشر على أحدث الأساليب التقنية المتطورة بعد امكانية التغلب على حواجز اللغة.. وبهذا يمكن أن تصل مستحدثات التكنولوجيا الى دواخل البلاد من بوادر وارياض واصقاع نائية كانت في الماضي تعاني عزلة جغرافية ولغوية وثقافية ومعرفية.. ومن البديهي اننا امام طريق ذو اتجاهين في هذا الصدد الى الدواخل النائية تتيح الترجمة اللحظية وصول ثمار التكنولوجيا الحديثة، ومن هذه البقاع القصية المعزولة أو التي كانت كذلك يمكن أن تأتي أفكار جديدة مبتكرة.. خلاقة وماكانت لتخطر من قبل على بال أحد.. ممايضيف الى صرح التكنولوجيا زادا جديدا وزخما لا ينقطع وهو مايعزز آفاق البحث العلمي وتطبيقاته التقنية وقد يتيح انشاء معاهد مستحدثة لهذا النوع من البحوث النظرية والعلمية في الغابات والبوادي والدساكر والنجوع. التعارف للتواصل والمعرفة تلك آمال عراض حقا تعقدها طموحات أهل المستقبليات وهم في هذا يراهنون على نظام ساتس الذي أفضنا عنه الحديث فيما سبق من سطور.. لكي يتولى ترجمة المعاني والأفكار والمصطلحات والمفاهيم بين لغات العالم وبصورة آنية.. لحظية مما يجسد بالفعل ماذهب اليه القرآن الكريم حين أوضح حكمة خلق الناس شعوبا وقبائل لكي يتعارفوا وهو اللفظ البليغ المستقى من مادة التواصل والتفاعل وأيضا من معنى الفهم والعلم والمعرفة. ـ كاتب سياسي من مصر