هدر المال العام من قبل العديد من المؤسسات الحكومية والمسئولين كبارهم وصغارهم، ليس بالظاهرة الجديدة في مجتمعات العالم الثالث ومن ضمنهم مجتمعنا بطبيعة الحال، وحينما يصرح مدير عام معهد التنمية الادارية في مؤتمر صحفي منذ يومين عن ظاهرة المؤسسات والوزارات التي تدفع الملايين لجهات خارجية بينما تغض الطرف عن الخبرات المحلية، فإنه لا يكشف سراً وانما يقر واقعاً نعرفه جميعاً ونعرف أسبابه وحكاياته. ولا أريد الحديث عن هذه الظاهرة على خلفية الطرح المعروف بـ (عقدة الخواجة) ذلك ان القضية أعمق وأخطر بكثير من ان نتناولها بهذه السذاجة او العقلية الطفولية، القضية باختصار قضية تجاوزات وفساد اداري وعدم تخطيط في المقام الاول، لذلك فلا يجب تهوين الامور وتبسيطها على انها عقدة أجنبي أو عدم ثقة في المنتج البشري او الصناعي المحلي، هذه نتيجة وليست سبباً، وهناك فرق بين النتيجة والسبب كما نعلم! فعندما استعانت وزارة التربية والتعليم بالشركة الألمانية ثم الامريكية في مجال التعليم الفني وأهدرت من المال العام ما يفوق الـ 5 ملايين درهم، ثم اقرت بفشل المسألة كلها وأحالتها الى خبرات محلية من كليات التقنية هل كانت تفعل ذلك بسبب (عقدة الخواجة) لا أظن، فحتى لو استبعدنا الفساد والتجاوز، فإننا لا نستطيع ان نستبعد التخبط وعدم التخطيط الذي يقود حتماً الى الهدر المالي، وهدر الزمن الذي نحن في أمس الحاجة إليه من عمر البناء والتنمية واعادة الهيكلة لذهنية وجسد مؤسسة تعاني من اشكاليات لا حصر لها، وليست بحاجة ابداً لمزيد من الاشكاليات والتخبطات والاهدارات التي تعرضها حالياً لمساءلة ديوان المحاسبة الذي يدقق في تلك الاموال التي هدرت! جميل ان يدقق ديوان المحاسبة وان يسائل ويحاسب ويتابع، ولكن ماذا ينفع البكاء على اللبن المسكوب بعد فوات الاوان؟ لقد استولى الامريكان والألمان على الملايين كما استولى غيرهم على المليارات من أموال هذه الدولة ومن حقوق مواطنيها وذهبوا على طريقة المثل الدارج (طارت الطيور بأرزاقها) فماذا نفعت المساءلة والتدقيق والتفتيش؟ لماذا لا تكون هناك خطط مرحلية يتم تقويمها وتقييمها مرحلياً ايضاً على اعتبار ما انجز منها وما تعطل وما تم تجاوزه وما نجحنا فيه، وفق رؤية ومنهج وشفافية، بدل هذه العشوائية الضاربة في بيئة مؤسساتنا حتى النخاع؟ يحكى انه في احدى المؤسسات الحكومية (والقضية نوقشت في احدى جلسات المجلس الوطني) تم ابتعاث طالب لاكمال دراسته العليا وانفق عليه ما يتجاوز الـ 800 ألف درهم، وبعد مضي السنوات عاد الطالب دون ان يحقق شيئاً من سفره وسنوات بعثته، الا يعتبر ذلك هدراً للمال العام؟ اين كانت مؤسسته منه ومن متابعته كل سنوات البعثة؟ لو اننا نتحدث عن كيف يهدر المال العام في هذه الدولة لاحتجنا الى مجلدات، وليس مجرد عمود في جريدة !!