بعض من السياسيين الإسرائيليين هزتهم بشاعة الواقعة فلم يسعهم إلا أن يستنكروا الجريمة بصوت جهري. والآن، وبعد 19 عاما من حدوث مذبحة «صبرا وشاتيلا» لن يجد أي اسرائيلي، حتى لو كان من غلاة «التوراتيين» المتطرفين ذريعة شرعية واحدة للدفاع عن ارييل شارون مهندس هذه الواقعة الاجرامية إذا اكتملت فعلا اجراءات محاكمته أمام محكمة جرائم الحرب الدولية في بلجيكا. ففي أعقاب تنفيذ الجريمة عام 1982 أدين شارون بواسطة لجنة قضائية اسرائيلية عرفت باسم رئيسها حيث يطلق عليها «لجنة كاهان». لقد استثمر نفر من القانونيين العرب والبلجيكيين قانونا بلجيكيا مستحدثا ينص على محاكمة من يرتكبون جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية بوجه عام حتى لو كانوا من غير البلجيكيين أو ممن يقيمون خارج بلجيكا فابتدروا دعوى قضائية ضد ارييل شارون لمسئوليته الجنائية في ذبح ما يقارب ألفي فلسطيني بينهم نساء وأطفال وشيوخ قرب بيروت. لقد كان مخيما صبرا وشاتيلا يقعان ضمن رقعة أرضية غرب بيروت أخضعت لحالة حصار كامل بواسطة القوات الاسرائيلية فباتت تحت سيطرتهم الشاملة. كانت جحافل الجيش الاسرائيلي قد عبرت الحدود الدولية واجتاحت الأراضي اللبنانية إلى أن وصلت بيروت العاصمة بهدف تصفية الوجود الفلسطيني في لبنان، وقائد هذه الحملة الضارية في صيف عام 1982 كان وزير الدفاع الاسرائيلي نفسه ـ الجنرال ارييل شارون. لقد ذكر التقرير النهائي للجنة القاضي كاهان في ادانته لشارون انه يتحمل المسئولية عن مذبحة صبرا وشاتيلا «بطريقة غير مباشرة».. فما معنى هذا الحكم؟ عملية القتل الجماعي نفسها للرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين داخل المخيمين المتجاورين نفذها مقاتلون لبنانيون في الميليشيا المسيحية التي يطلق عليها «الكتائب» لكن التعليمات، كما أثبت التحقيق القضائي، صدرت من الجنرال شارون نفسه.. وتم ترتيب «اللوجستيات» اللازمة لانجاح العملية تحت اشرافه المباشر. وبالطبع ليس في هذا تبرئة لقوات «الكتائب» فهي شريك في الجريمة. ومما يضاعف من جسامة الجريمة أن المخيمين لم يكن في أي منهما أسلحة.. فلم يكن دخول قوات «الكتائب» إليهما نتيجة لمقاومة مسلحة من داخلهما مما يؤكد ان أمر المذبحة كان مدبرا سلفا. وإذ استغرقت عملية القتل الجماعي نحو 36 ساعة متصلة فانه لم يتخللها أي رأفة. وبالاضافة إلى القتل كان بعض الضحايا يعذبون ثم يجري التمثيل بجثثهم بعد القتل. ويبدو ان جنود ميليشيا «الكتائب» كانوا يستمدون لذة سادية من قتل أعضاء الأسرة الواحدة أمام بعضهم البعض. واستخدمت أسنة البنادق لرسم صلبان على بعض الجثث أو أجساد بعض الضحايا قبل اطلاق الرصاص عليهم. في هذه الأثناء كان الجنرال شارون وقواته يحيطون بالمخيمين لمنع أي تدخل بينما حفلات الاعدام تجري على قدم وساق. وبترتيب من شارون نصبت القوات الاسرائيلية أنوارا كاشفة مسلطة إلى داخل المخيمين لتمكين جزاري «الكتائب» من مواصلة العملية الدموية خلال ساعات الليل. الجريمة موثقة.. وتقرير لجنة كاهان القضائية يصلح أساسا لقضية جنائية قوية ضد شارون. وكون أن الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة لم تشأ متابعة الأمر لاعتبارات سياسية فاكتفت بتجريده اداريا من منصب وزير الدفاع في وقت ما فإن الجريمة لم تسقط. وحتى إذا رفض شارون المثول أمام المحكمة البلجيكية فإن هذا لن يمنع من محاكمته غيابيا.