البيئة العالمية الراهنة حافلة بالمستجدات والتحديات القومية والفكرية والحضارية ولابد من ان يتفاعل الانسان مع هذه البيئة ويمكن ان يكون التفاعل ايجابيا او سلبيا، ومعنى التفاعل الايجابي للانسان انه يؤثر وهو يتفاعل في هذه البيئة، ومعنى تفاعله السلبي انه يتعرض وهو يتفاعل لتأثير آخرين فيه وبالتالي من السليم من منظور ممارسة التأثير ان يكون التفاعل ايجابيا وكلما ازداد الانسان وعيا زاد تفاعله ايجابية وكلما قل وعي الانسان زاد العنصر السلبي في تفاعله. والتفاعل الايجابي مع البيئة معناه الحضور السياسي والفكري والحضاري على مستوى البيئة الاقليمية أو الدولية، ونحن ابناء الشعب العربي ينبغي ان يكون لنا حضور سياسي وفكري وحضاري يعتد به على الساحة العالمية، وحتى يكون لنا هذا الحضور ينبغي لنا ان نكون متفاعلين تفاعلا ايجابيا قويا ومستمراً مع هذه البيئة. وعن طريق تفاعلنا الايجابي تتجلى شخصيتنا الفردية والقومية ونفصح عنها ونؤكد عليها ونجعلها ملموسة مجسدة، تجلى شخصيتنا القومية من شأنه ان يعني تجلى ارادتنا القومية وتميزنا القومي وابداع المبدعين منا في مجالات العلم والفلسفة والفن، وتجلي شخصيتنا الفردية من شأنه ان يعني تحقيق الفرد لذاته وتكشف الابداع الفكري والفني ومحافظته على كيانه وكرامته. وتجلي الشخصية الفردية والجماعية بدوره من شأنه ان يسهم في التفاعل الايجابي على الساحة العالمية. الحضور العربي على الساحة العالمية من شأنه ان يعني اشياء معدودة، الحضور السياسي العربي من شأنه ان يعني قدرة العرب على ممارسة التأثير على هذه الساحة لتحقيق اغراض ينشدونها. والمعنى المعتمد للسياسة في هذا المقال هو انها القدرة على ممارسة التأثير ابتغاء تحقيق غرض معين. وبالتالي لا يوجد حضور سياسي دون توفر القدرة على ممارسة التأثير. والحضور الفكري والحضاري والسياسي العربي من شأنه ان يعني زيادة اشاعة استعمال اللغة العربية في شتى اصقاع العالم واشاعة استعمالها من جانب المسلمين غير العرب، ونشوء الفلاسفة والعلماء في شتى حقول المعرفة الذين يضعون مؤلفاتهم باللغة العربية والذين تترجم مؤلفاتهم الى لغات كثيرة واجراء البحوث الجادة التي يجريها الباحثون العرب وهم متحررون من الضغوط او القيود المالية والاجتماعية والنفسية. ومن المنظور الطبيعي والانساني والاجتماعي والفكري والحضاري من السليم ان يحدث التطور الطبيعي لعملية الفكر والنقد والابداع وان يشجع الاندفاع او الزخم الفكري والنقدي والابداعي، وحتى يحدث هذا التطور وحتى يحقق هذا الزخم من الضروري توفير مناخ من حرية التعبير وحرية الانطلاق والابداع الفكريين. والانطلاق والابداع الفكريان لا حدود لهما، هذه حقيقة يجب ادراكها وقبولها، ويمكن دائما ان يتجاوز المبدعون في كل المجالات ما بلغه الذين سبقوهم ونبغ وينبغ في صفوف كل شعب المبدعون البارزون المتفوقون المتميزون في مجالات الفكر والفن، وحتى تبقى امكانية ان يحقق كل امريء امكانه الابداعي ينبغي ادراك ان من الممكن تجاوز ما حققه آخرون من وجوه الابداع، ومن شأن عدم ادراك ذلك ان يكون عاملا هاما في تقييد الانطلاق الابداعي، اذ حتى تتهيأ للانسان دواعي الابداع وفورته واندفاعه ينبغي ان يكون محررا نفسيا من التفكير او الشعور بأنه لا يستطيع ان يتجاوز ما بلغه آخرون في مجال الابداع، هذا التحرر النفسي يمد الانسانة بقوة نفسية وفكرية وعاطفية دافعة الى الانطلاق الابداعي. والافراد المحررون نفسيا من هذا التفكير او الشعور هم الافراد الذين من الاسهل عليهم ان ينطلقوا فكريا ونفسياً وعاطفياًَ وان يرسموا آثارهم على سجلات الفكر والادب والفن العالمية وهم الذين تقل لديهم القيود على نشاطهم الابداعي، وهم الذين حلقوا وابدعوا فكريا وفنيا، فجاء ابداعهم شعرا ونثرا وفلسفة وموسيقى ورسما ونقدا تشهد كلها على عظمة وتميز فن وفكر هؤلاء المبدعين. والشعب والدولة اللذان يريدان تحقيق التقدم الفكري والانطلاق الفكري هما الشعب والدولة اللذان يكونان حريصين على ترك الحصان ينتظر فارسه، فامتطاء ظهر الحصان هدف ينبغي ان يكون من الصعوبة البالغة تحقيقه امتطاء ظهر الجواد ينبغي ان يكون الهدف الامثل الذي يسعى المغنى الى تحقيقه بغنائه ويسعى الشاعر الى تحقيقه بشعره ويسعى الفيلسوف الى تحقيقه بفلسفته، ويسعى العالم الى تحقيقه بعلمه واعمال فكره، هذا السعي لتحقيق ذلك الغرض هو احد محفزات المرء على الابداع الفكري ليمتطي ظهر الجواد او ليصل الى ليلى الحبيبة او ليبلغ النجوم او ليقيم له منزلا فوق الغيوم أو ليرافق الطيور، ينتقل بين السحب وفي الفضاء الرحب وهو يسعى لريادة المجهول. ـ استاذ دراسات الشرق الاوسط ـ الولايات المتحدة