مسكينة البنت الحلوة سعاد حسني، ماتت غريبة ووحيدة ومكتئبة، مع أن البداية كانت تبشر بأنها ستعيش الى آخر يوم في العمر كملكة متوجة. ولكنه سوء الحظ وقلة البخت وغدر الزمان. رأيتها أول مرة وهي صبية صغيرة، كانت بين السابعة عشرة والثامنة عشرة. وعرفني بها الاديب والشاعر والصحفي عبدالرحمن الخميسي. كنا في عام 1958 وكان الخميسي قد انتهى من إنشاء فرقته المسرحية، وجاء بالفتاة الصغيرة لتقوم بالبطولة في مسرحية الافتتاح، وكلفني الخميسي بكتابة مسرحية وكتبت له مسرحية (عزبة بنايوتي) ولكن قبل أن تبدأ الفرقة المسرحية عملها، خيم على المنطقة ظروف سياسية حرجة، ووقع الخلاف بين بغداد والقاهرة واحتدم الصراع بين الماركسيين والقوميين، وفي بغداد علقوا الضباط القوميين في المشانق، وفي القاهرة اعتقلوا أفراد كل المنظمات الماركسية. وكان الخميسي مصنفا ضمن الماركسيين بينما العبد لله كان محسوبا على التيار القومي، وبالرغم من ذلك لم يعتقل عبدالرحمن الخميسي وتم اعتقال العبد لله. وعلى الفور أوقف الخميسي نشاطه المسرحي وانهمك في انتاج قصته الشعبية الجميلة (حسن ونعيمة) ورشح للمخرج بركات وجهين جديدين ليقوما بأدوار البطولة، سعاد حسني ومحرم فؤاد. وعندما خرجت من سجني كان الفيلم قد تم عرضه، وكانت سعاد حسني قد أصبحت نجمة ويتنبأ لها الجميع بمستقبل عريض. وسافرت مع سعاد حسني مرتين، مرة الى المغرب ومرة الى أوروبا في الجولات الفنية التي كان يشرف عليها (صوت العرب) أيام مديره الأستاذ أحمد سعيد. وكانت سعاد كعادتها جميلة ورقيقة ونجمة لها حضور في كل مكان تحل فيه. وكانت آخر مرة أرى فيها سعاد حسني في بداية شهر مايو عام 1971، في 25 مايو صدر قرار جمهوري باعتقالي، وغبت سنتين وبعد الافراج عني لم أكن محظوظا فلم يقع بصري على سعاد حسني إلا بعد ذلك بسنوات طويلة. وأصل الحكاية أنني كنت في طريقي الى عيادة الدكتور فايز بطرس في هارلي ستريت بلندن، عندما هجمت على شخصي الضعيف سيدة بدينة واحتضنتني ونادتني باسمي، ولم أستطع التعرف عليها في بادئ الأمر، فتحدتني وقالت.. مش هتعرفني طبعا لكن أنت معذور. اذا كان حسن يوسف اللي اشتغل معايا طول عمره ماعرفنيش، لم يكن قد تبقى فيها من سعاد حسني إلا صوتها. وعرضت عليها أن تذهب معي الى الدكتور فايز بطرس فوافقت على الفور، وقضينا أكثر من ساعة في عيادة الدكتور فايز، سألها الدكتور عن أمراضها ثم طمأنها ونصحها باستخدام بعض الأدوية، ومبلغ علمي أنها ظلت تتردد عليه حتى قبل وفاتها، كما كانت تتردد على طبيب الأسنان المصري الدكتور هشام العيسوي والذي تقع عيادته على مقربة من عيادة الدكتور فايز بطرس. وبعد خروجنا من العيادة دعوتها على فنجان قهوة وجلسنا نتبادل الحديث. كان الأمل يراودها في الشفاء والعودة الى السينما.. وسألتني بشكل مفاجئ، معروض عليّ أظهر في فيلم جديد، إيه رأيك.. أوافق.. قلت لها: طبعا لازم تظهري في أفلام، بس مش دلوقت، ممكن بعد سنة لما تخلصي العلاج، ثم قالت للعبد لله، أنا ممكن أشفى لو انتظمت في العلاج لمدة سنة، ثم سألتني فجأة: أنت ما تعرفش رئيس الوزارة، أجبتها بالايجاب فطلبت مني أن أعطيها رقم تليفونه قلت لها مش أستأذنه أحسن. قالت.. طبعا واذا وافق كلمني في التليفون.. وافترقنا على موعد قريب.. ولكن لسوء الحظ لم أرها بعد ذلك. ولكني اتصلت بها تليفونيا أكثر من مرة.. والسبب أنني عندما اتصلت بالدكتور كمال الجنزوري ونقلت اليه نص الحديث الذي دار بيني وبين سعاد حسني. قال لي على الفور، لأ سعاد حسني ماتكلمنيش، أنا اللي أتصل بسعاد حسني.. تليفونها كام. والذي حدث بعد ذلك أن الدكتور الجنزوري اتصل بها وأصدر على الفور قرارا بعلاجها على نفقة الدولة . وضاعف لها بدل السفر خلافا لما هو معمول به في كل هذه الحالات. وهكذا نرى أن الدولة لم تقصر في علاجها. ولكن بعد مرور العام اقترح المكتب الطبي المصري في لندن علاجها في القاهرة على أساس أن العلاج الذي تمارسه يمكن الحصول عليه في المراكز المتخصصة في مصر وهكذا أبلغها المكتب الطبي المصري ولكنها رفضت العودة. كانت سعاد محقة في رفضها لأنه كان من الأفضل لها الابتعاد عن مصر وهي في تلك الظروف. ولم أر سعاد حسني أو أتحدث اليها إلا يوم وفاتها، كنت خارجا من منزلي ومعي طبيب مصري صديق عندما أبلغني البواب أن سيدة سقطت من شرفة شقة في الدور السادس وذكر أن صاحبة الشقة مصرية والسيدة التي سقطت مصرية أيضا. وذهب الطبيب لرؤية الجثة وعاد بعد أن ألقى نظرة على الجثة وسألته. إيه الحكاية، قال لي أبدا دي واحدة ست عجوزة وواضح إنها انتحرت. ولم تكن السيدة العجوزة إلا الفاتنة الجميلة سعاد حسني ، قتلها سوء الحظ وقلة البخت وغدر الزمان. والبخت لو مال مين يعدله تاني.!