إن مشروع القرية الكونية ليس فقط مفهوما سياسيا واقتصاديا بل هو في الآن ذاته مفهوم حضاري. لذلك وجب أن تقوم هذه القرية على قاعدة من القيم الأخلاقية بما يكفل للإنسانية والتعايش السلمي وينشر قيم التسامح والتضامن وينبذ العنف والنزوع إلى التسلط والغطرسة. والثقافية هي التي تمكننا لدى ممارستنا للحياة اليومية من تحقيق الغايات الاجتماعية الكبرى كالحفاظ على القيم العائلية وحماية المؤسسات المدنية في عالم يشهد تحولات متسارعة وسلوكيات لا تستقيم مع مورثنا الحضاري. لقد كانت الأسرة في المجتمعات التقليدية تمثل المهد الذي يشب فيه الطفل على السلوك القويم، وكانت المدرسة تمثل الفضاء الذي يهذب فيه تكوينه الذهني في حين كانت المدينة تمثل البيئة التي يمارس فيها الاستخدام السليم للمفاهيم الأخلاقية والثقافية التي وقع تحصيلها في البيئتين الأوليين. وان التحدي الذين يتعين على الإنسانية رفعه هو استنباط أشكال جديدة من التصرف في المجتمع، وطرق جديدة من التفكير داخل المدرسة، ونماذج جديدة من التنظيم داخل الأسرة. فهذه البيئات الثلاث هي التي تحكم تطور أي مجتمع، وليس من منقذ لأسرة الغد خير من الحضارة فالتحدي يواجه كل المجتمعات بما فيه المجتمع الغربي الذي عرف أكثر منا كيف يتفاعل مع العصر الصناعي وليس هنالك ما يدل على انه اهتدى إلى أنجع السبل للتعايش في المجتمع الرقمي. وإذا اهتدينا إلى الحلول الملائمة وقدرنا على التفاعل مع مقومات العولمة نكون قد اختصرنا المراحل بسرعة فائقة عبر التاريخ واستدركنا التأخر والتخلف فالعولمة تؤثر في القيم الحضارية وتتأثر بها في الوقت ذاته. أ ـ مستقبل الحضارة في مجتمع المعلومات: ما فتئت التقنيات الجديدة للمعلومات مقتحم بشكل مطرد ومتزايد الفضاء السياسي والاقتصادي والمهني، ومجالات اخرى من قبيل خدمات الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، والتعلم والثقافة والترفيه، كما ان قوتها الكامنة قد تعدت الحدود الجغرافية والقانونية التي ظلت طويلا السند الرئيسي للسلطة الوطنية والاختيارات الاجتماعية والاقتصادية، ويكفي ان نلاحظ ما كان للتقنيات الجديدة للمعلومات من قدرة على تطوير قطاعات ليس أقلها اهمية قطاع التربية لنتبين مدى الحاجة الى استخدام هذه الوسائل الجديدة. وإذ نقر بأن اللجوء الى مثل هذه التقنيات لا يمكن ان يسبق تحصيل القدرة التقليدية على القراءة والكتابة ولا يمكن ان يحل محلها، فإننا نجد فيها حافزا على هذه القدرة ووسيلة لدعم هذه المعرفة وتوسيع مجالها ضمن فضاءات متعددة. ولا مناص للمجتمعات الجديدة المعينة من تعزيز هويتها الثقافية التي تمثل شرطا اساسيا لتحقيق الاندماج الاجتماعي والمعرفي في ذلك ان المجموعات الواعية بحقيقة هويتها مهيأة اكثر من غيرها لقبول انماط سلوك ونظم متطورة للعمل لا تتناقض مع تقاليدها الروحية مثل جعل المعلوماتية متاحة في المناطق الريفية. واذا ما نظرنا في وضع البيئات الثلاث التي اشرنا اليها آنفا تبينت لنا الحالة المزرية التي تعاني منها المجتمعات الغربية، ففي حين كان يعرف الاطفال الاسرة على انها بيت فيه الأم والأب والجد والجدة، نجد ان التحولات المتسارعة قد قرضت هذا البناء الاسري في الغرب وبدأ الشعور لدى الشباب بأن نهاية الأسرة قد حانت فالاحصائيات تقدم لنا ارقاما مروعة عن الامهات العازبات (5% في الستينيات مقابل 30% اليوم)، وكذلك عن الازواج دون اطفال في امريكا (16% سنة 1972 مقابل حوالي 35% حاليا)، اضافة على ان حالات الطلاق قد تضاعفت منذ الستينيات وإن نصف الولادات الاولى في بعض البلدان الغربية تحدث خارج عقد الزواج الذي لم يعد المرجع الوحيد لاقامة الاسرة المؤلفة من ذكر وأنثى والاطار الطبيعي لتربية الاطفال ورعاية الشيخوخة. اما عن المدرسة فنحن نعلم ان مدرسة الغد سوف تعتمد على مناهج التعليم عن بعد والانتاج المعرفي المستورد اي ان ظاهرة العولمة سوف تمتد الى المدرسة بعد اكتساح السوق التجارية وأن التوريد المعرفي من الخارج سيشمل برنامج التاريخ الوطني والجغرافيا والتربية المدنية الخ... ويرى اهل الذكر ان المدرسة لكي تنجح في خلق تواؤم مستديم بين العائلة والمجتمع وتتناغم مع الثورة التكنولوجية الراهنة فإنه يتعين تطوير الحس المدني لدى الناشئة، وإدراج مواد ضمن البرامج التعليمية متصلة بحقوق الانسان ومفهوم الديمقراطية وهي بالأساس تربية، وثقافة، وسلوك، وممارسة تتعلمها الاجيال المتتالية في بيئة متماسكة وليس من اليسير ضمان ذلك. ان المدينة (اي المجتمع) قد اصبحت مزدوجة يتعايش فيها فضاءان، فضاء الاطراف المتعاملة مع المؤسسات العابرة للحدود والهويات والفضاء المحلي. ومن البديهي ان هذا الاخير هو الذي يحافظ على الهوية والانتماء وإذ يبدو فضاء الهوية اقرب الى المحلية، فإن الفضاء المهني يبقى كونيا. والاستنتاج هو ان التقيد ببعض التقاليد الايجابية يمكن ان يصبح عنصر قوة ودفع في بداية ثورة اعلامية ثقافية عارمة والمهم هو ان تدرك القيادة والنخبة كيف يكون تلافي القطيعة بين قيادتين مواجهتين في مجتمع واحد. ب ـ أثر الحضارة العربية الشرقية في مسار العولمة: يرى الشاذلي القليبي في كتابه الاخير «امة تواجه عصرا جديدا» ان العولمة لا تتناقض مع توجهات الحضارة الاسلامية التي وفرت مجالا رحبا منذ نشأتها للتقارب بين الشعوب وتلاقح الحضارات، بل اكثر من ذلك، ان ظاهرة العولمة تجد في الحضارة العربية الاسلامية تراثا ثقافيا مناسبا لتطوير مثل هذا التواصل والتقارب بين الشعوب. ويتعين علينا العودة الى هذا الارث الثقافي كما يجب علينا ونحن نؤكد خصوصيتنا الثقافية ان نتجنب الافراط حتى لا نثير لدى الآخرين الضغينة والافكار المسبقة التي لن يتردد هؤلاء في ربطها بالاسلام جهلا منهم بأن من صميم هذه الديانة مفاهيم السماحة، والتعقل، والانفتاح والمروءة. كما يجب اقناع الآخر بأن العدو الحقيقي للانسان انما هو الفقر، وسوء المعاملة، والجوار، وأن قانون السوق لا يجب ان يؤدي الى مجتمع السوق اي على قانون الغاب. ان على كل مجمع في مستهل هذا القانون الجديد ان يمهد السبيل امام تناغم يستحدث الوفاق وحضارة متجددة تستلهم التراث بشكليه المادي واللامادي. وكما هو الشأن في الماضي، فإنه يجب ان تتغذي هذه الحضارة على تنوع القيم الطموحات المشروعة واحترام الهويات المختلفة وكذلك قدر كل الشعوب الراغبة في التقدم والتألق ولن يتحقق ذلك الا بدعم اعلامي فاعل. جـ ـ تأثير الديمراطية الرقمية في تجسيد المشروع الحضاري العربي: قد يطول الحديث حول حقيقة التعددية الاعلامية عبر الشبكات الفضائية بين مؤيد ومعارض، لكن الواقع هو ان هنالك مجال اوسع للاختيار امام المشاهد العربي بفضل هذه القنوات، كما ان انشاء شبكات الاتصال الحديثة من شأنها تكثيف العلاقات التفاعلية بين السكان وتوسيع الادارة البلدية، وحل الاشكاليات الظرفية او حتى الراسخة ذلك ان ممارسي النشاط السياسي سيجدون في وسائل الاتصال الالكترونية طرقا جديدة للتعرف على هموم المجتمع بالتحاور مع الجماهير والاقتراب منها اكثر فأكثر والاستجابة الى مطامحها المشروعة وبذلك؛ يكتسب الرأي العام مزيدا من الوعي في التعرف على الشئون العامة ويسهم بالفعل في اتخاذ القرار على المستويين المركزي والمحلي. ويرى الاخصائيون في هذا المجال ان الديمقراطية ستتأثر ـ على حد كبير ـ بتطور تقنيات الاعلام اذ ستكون الديمقراطية المباشرة قابلة تقنيا للتحقيق لأول مرة في التاريخ وهو ما سيتيح المشاركة اليومية في الحياة السياسية، والتصويت الالكتروني، والقدرة على مجابهة مجموعات الضغط بفضل توفر المعلومات المطلوبة في سرعة بالغة. لذلك فإني أساند ما جاء في دراسة الاستاذ معن بشور كما اني اميل على مساندة ما جاء في دراسة الاستاذ فهمي هويدي حول الديمقراطية عندما ذكر ان اشتراك الناس في كل شأن يهمهم اصبح ميسورا بدرجة اكبر في ظل انتشار الثورة الاعلامية الهائلة، الامر الذي يذهب على ابعد حد في الممارسة الديمقراطية بحيث يقربها من الشورى المنشودة. ماهية الثقافة الرقمية: ان تجسيد المجتمع الحضاري الرقمي يمر بتعميم ثقافة رقمية في كافة انحاء الوطن العربي وكم من مرة يطرح السؤال حول ماهية الثقافة الرقمية ونظرتي الشخصية لهذه العبارة هي ثقافة المعلومات اي ما يتعين على الانسان ادراكه وتقاسمه مع بقية افراد المجتمع حول خصائص تكنولوجيا الاتصالات وآلياتها وتطبيقاتها وانعكاساتها على مختلف مكونات الحياة الاجتماعية. ويبدأ ذلك بتدرج تاريخي يمر بمفهومي ثورة المعلومات والطريق السريعة الالكترونية وبإدراك خلفيات شبكة انترنت وبمدى تكاملها مع الشبكات المحلية للاتصال وبآفاق الحواس عن بعد. ولن يستقيم فهم مضمون هذه الثقافة دون ادراك مدى علاقة التكنولوجيا الحديثة للمعلومات بالفن التشكيلي وبالآداب وبخصائص اللغة العربية وبقابلية تفاعلها مع باقي اللغات العالمية الكبرى. يمثل هذا الوعي الجماعي في المستويين الوطني والقومي، ويمكن للمنطقة العربية ان تتفاعل مع ثورة المعلومات مثل غيرها من الشعوب وقد تتميز عنها لا سيما في بعدها الثقافي. خبير اعلامي عربي