لا أدري كيف يغيب عن بصيرة العرب ـ إذا كانت لهم بصيرة! ـ هذا المسار المطروح أمريكيا وإسرائيليا لتقزيم أفظع مأساة عاشها شعب في القرن العشرين، وتتواصل في القرن الحادي والعشرين، مأساة فلسطين التي كانت على مدى أكثر من خمسين عاما قضية كبرى ومعضلة سياسية ومظلمة تاريخية يعالجها العالم بأسره في أروقة منظمة الأمم المتحدة ومكاتب البيت الأبيض والكرملين وقصور الحكومات في عواصم أوروبا ... وتحولت تدريجيا بسبب مؤامرات التقزيم إلى مجرد ملف عنف كلفوا بمعالجته والتعامل معه مدير الوكالة الأمريكية للمخابرات تينيت، بعد ان فشل على ما يبدو السيناتور ميتشيل في أن يجد مخرجا نصفه سياسي ونصفه أمني. والذي يجري على صعيد التقزيم، يذكرنا بمراحل التقليص التاريخية والتي سنحاول اعادتها لاذهان هذا الجيل بتعداد درجات النزول إلى الهاوية منذ اعلان دولة يهودية عام 1947 إلى اليوم. فقد جرت «حرب» عربية نظامية ضد عصابات شتيرن والاراجون وهاجاناة والأرض الموعودة وهي عصابات ارهابية قتلت فيمن قتلت ألكونت برنادوت مبعوث الأمم المتحدة إلى فلسطين وهو رمز بالغ الأهمية في الارهاب والصعلكة الدولية والخروج عن القانون منذ فجر نشأة إسرائيل. وبعد الحرب المذكورة عام 1948 وانفراد دولة إسرائيل بالوجود بقرار أممي هو قرار التقسيم (29 نوفمبر 1947) انطلق زعماء العرب وبخاصة الملك المصري فاروق والملك السعودي عبدالعزيز آل سعود وملك العراق فيصل رحمهم الله جميعا في المطالبة بالرجوع إلى ما قبل 29 نوفمبر 1947، بينما قطار المؤامرات البريطانية والأمريكية والعالمية أخذ يسرع في اتجاه الأمر الواقع بتحويل قضية شعب فلسطيني إلى ملف بين أيدي الانروا (وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة). وبعد ذلك شهدت المجتمعات العربية أعمق التحولات السيئة والاستبدادية بطلوع مجموعات ضباط إلى سدة الحكم وانقراض العروش العربية وكان شعار العسكر المرفوع هو: لقد جئنا لتحرير فلسطين. وكانوا بالطبع يحملون الملوك هزيمة 48 ويتوعدون اسرائيل بالويل والثبور وعظائم الأمور، والشعوب الغافلة المسكينة تتواعد في تل أبيب. وساعتها، وبعد الزلزال الرهيب الذي أصابنا في نكسة 67، أصبح حكامنا ينادون بالرجوع إلى ما قبل ذلك التاريخ، أي كما تقول بيانات جامعة الدول العربية إلى حدود الرابع من يونيو 1967. وكان العالم أصم والدعاية الصهيونية والأمريكية تتغلغل في عقولنا لتصبح قضية المصير مجرد قضية تحديد حدود باشراف الراعي الأمريكي. وأذكر انه في عام 1982 عند زيارة رئيس الحكومة التونسية السيد محمد مزالي إلى واشنطن وكانت آنذاك تونس تحتضن منظمة التحرير الفلسطينية وجامعة الدول العربية معا. قال مزالي للرئيس الأمريكي رونالد ريجن: يا سيدي الرئيس ان اعتباركم لياسر عرفات ارهابيا هو خطأ فادح في السياسة الأمريكية ... إن ياسر عرفات هو آخر جيل فلسطيني يمكن أن تعقد معه اسرائيل صفقة سلام إذا ما تنازلت عن منطق القوة والغطرسة ... وكان ريجن يسمع مزالي باهتمام لكن بلا تعليق. هذا واقع منذ 19 عاما وصار ما صار ... وحتى حرب رمضان المباركة التي دخلها العرب بإيمان ظلت انتصاراتها منقوصة بقضية الدفرسوار والكيلومتر 101 وكان العرب يطالبون بالرجوع إلى حدود الخامس من اكتوبر 1973 لعودة الأمور إلى نصابها. وكانت تلك هي الحرب النظامية الأخيرة بين العرب واسرائيل. وجاء بعدها احتلال لبنان وبداية ضم مرتفعات الجولان وبداية تهويد القدس الشريف واعتبارها عاصمة «أبدية» وحلت لغة الأبدية الصهيونية في أدبيات اسرائيل ولكن مجاهدي حزب الله اللبناني إلى جانب فصائل الجهاد وحماس ومناضلي فتح لم يقتنعوا بمنطق الأبدية وظلوا يقاومون إلى اليوم بالنتائج الباهرة التي نعرفها جميعا والتي لم تكن أبدا لتتحقق لولا خيار المقاومة الوحيد الذي تفهمه اسرائيل ورعاتها. ومنذ بداية مسلسل مدريد وأوسلو، خطط زعماء اسرائيل بمساعدة الأروقة الصهيونية الأمريكية لتحجيم قضية فلسطين وحصرها في ملف أمني يتعلق بايقاف العنف؟ أي عنف! وإذا بنا نفاجأ ان المسألة المصيرية الكبرى التي ظلت حية على مدى أكثر من نصف قرن تحولت بمؤامرة عالمية قذرة إلى مجرد ملف عنف يجب أن يتعامل معه مدير جهاز المخابرات الأمريكية تينيت من زاوية مخابراتية لا دخل فيها للسياسة ولا لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. وفي نفس الوقت يواصل اليهود جرف البيوت الآهلة بالسكان واحراق حقول القمح وسهول الزيتون وحدائق الرمان كأنما يطبق البروتوكول رقم 27 من بروتوكولات صهيون التي طالما قمنا نحن العرب بتكذيب ما جاء فيها تضامنا مع اليهود حينما اضطهدتهم النازية أو حين كان الاوروبيون في معظمهم معادين للسامية من منطلقات عنصرية شريرة. وهذا البروتوكول يقول لليهود: اقتلوا البشر ودمروا الحجر واحرقوا الشجر. وهو ما نراه اليوم على أيدي السفاح مجرم الحرب شارون ـ حسب المدعي العام البلجيكي الأوروبي ... لا العربي. اليوم يقع أمام أعيننا تقزيم للقضية الأساسية القائمة في الضمير العربي المسلم ... بل أم القضايا المصيرية وتصبح في نظر واشنطن ملفا يتعلق بالعنف! يتولاه بالدرس تينيت مدير مركزية المخابرات الأمريكية بمجرد تنسيق أمني بين شاؤول موفاز وأمين الهندي ... فأين قضية أربعة ملايين من لاجئي فلسطين لا يزالون مشردين تحت خيام الانروا بلا أمل في العودة وفي الحياة؟ وأين القدس ومسجدها الأقصى الذي بارك الله حوله وهو تحت نير أعدائه؟ وأين الشرعية الدولية التي تعترف بحق الشعوب في المقاومة في حالة احتلالها من قبل قوى غاشمة؟ وأين بعد كل هذا وذاك قرن كامل من الكفاح والجهاد والاستشهاد والبطولة والدم المسفوح؟ ومن ينتقم للصرخة الأخيرة البريئة المدوية التي أطلقها الشهيد الطفل محمد جمال الدرة وهو في حضن والده؟ أين وأين وأين حين نتحول إلى ملف بارد من ملفات الـ «سي. آي. ايه» قدره وهدفه أن يخدم مصالح أمريكا ... واسرائيل؟ ـ أستاذ الاعلام ـ جامعة قطر