شاهدت على شاشة التلفاز، يوم الخميس الماضي، شريطا وثائقيا بثته محطة تلفزيون الشرق الأوسط، نقلا عن التلفزيون البريطاني، حول المذبحة الشهيرة التي وقعت إبان الحرب الداخلية اللبنانية، وعرفت باسم «صبرا وشاتيلا». «المتهم» كان هو العنوان الذي تَقَّدم تترات الفيلم، ولقد وثق الشريط أعمال - بل أهوال - ليلتين من أكثر الليالي التي مرت على هذه الأمة سوادا وظلاما، وهما ليلتا الخميس والجمعة 16 و 17 سبتمبر 1982، حين دخلت ذئاب ضارية من «الكتائب»، يقودها إيلي حبيقة، إلى أعماق أزقة مخيمي صبرا وشاتيلا وحاراتهما، ليُخرجوا كل من كان موجودا من الفلسطينيين من مهاجعهم البسيطة، ليفزع هؤلاء من نومهم على إيقاع الرصاص، وإذا بالكتائبيين يصفونهم جماعات، لم يفرقوا فيها بين طفل وعجوز وامرأة، ثم أعملوا فيهم صليات الرشاشات، وأغمدوا فيهم الأسلحة البيضاء، في مذبحة قل أن رأى العرب مثلها في تاريخهم الحديث. ولعل بعضنا يذكر الجثث المتكومة، وقد تضرجت بدمائها، بين جدران المنازل، وكذلك تراكم أشلاء الأطفال والشباب والنساء في كومات من اللحم البشري المتعفن، بينما تحوم حولها أسراب من الذباب. أما أبشع ما سمعت فهو قول متحدث في البرنامج «إن كتائبيا قال له: أريد أن أطلب منك طلبا أرجو ألا ترده، فأنا أريد أن تأتيني بقليل من دم فلسطيني لأن بي رغبة في أن أرشفه»! فهل يمكن أن يكون هناك تعبير عن الوحشية الآدمية أبشع من ذلك التعبير؟ الانتقام الثأري إنها صفحة من صفحات الانتقام الثأري والتصفيات الجسدية التي انتابت منطقتنا المنكوبة. ولقد توقفت أمام فقرتين: الأولى اتصال لاسلكي بإيلي حبيقة من أحد أتباعه الميدانيين، يفيد بأن هناك أطفالا ونساء قد تم تجميعهم ، فنهر حبيقة محدثه بغضب: «لا تسألني مرة أخرى عن ذلك، فقط نفذ الأوامر». أما المنظر الثاني الذي روته إحدى الممرضات في مستشفى غزة، الذي كان يخدم ضحايا المخيم، فهو كما قالت: إن أحد العاملين المحليين راح يتوسل إلى الفريق الطبي كي يعيره معطفا أبيض، بعد أن ضيق الخناق على العاملين في المستشفى وأصبح خروجهم لا مفر منه، وقد لان له قلب أحدهم وقدم له المعطف الأبيض، ولكنه عندما نزل إلى الشارع مع زملائه سرعان ما انكشفت هويته نظرا لسمرة بشرته، فأوقفته عناصر الميليشيا، وعندما نظرت الممرضة مرة إلى الخلف، وجدته راكعا يستجدي الرحمة، فصرفت وجهها عن هذا المشهد الكئيب، و عندما أدارت ظهرها ما لبثت أن سمعت طلقا ناريا، كان كافيا لأن يرديه قتيلا! تلك بعض القصص التي رواها البرنامج الوثائقي، ولم يكن ارييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي إلا «متهما»، حيث كان وزيرا للدفاع، وهو الذي أعطى الإذن للكتائب بدخول المخيمات في تلك الليلة المشئومة. تاريخ الشرق الأوسط الحديث يطفح بأحداث تشبه «صبرا وشاتيلا»، كان فيها القتل سائدا يحصد الرقاب دون شفقة، وخصوصا ضد العزل والمدنيين، وكان القتل على الهوية هو الأكثر انتشارا، وتحت أسماء كثيرة، وربما لايزال يمارس تحت الأقبية المظلمة، وفي دهاليز السجون دون أن يظهر أمام أعين الناس، أو عدسات المصورين. مجرمو الحرب لاشك في أن هذا التوحش الذي يظهر جليا في ممارسة السياسة والاختلاف الفكري لن يستطيع التاريخ أن ينساه أو يتجاوزه، كما لن ينسى في البلقان أو الشرق الأوسط أو أفريقيا من أحداث التطهير العرقي وذبح العزل. إذ الإنسانية تشجب مثل هذه الممارسات وتدينها، وتطرح اليوم على الضمير العالمي - وعلى نطاق واسع - محاكمة مجرمي الحرب، فالقادة السياسيون والعسكريون يتحملون مسئولية إصدار القرارات وتنفيذها مهما كانت تبريراتهم، فالمسئولية الأخلاقية ملازمة للمسئولية العامة، ولا انفصام بينهما. وعندما يتحول الإنسان إلى وحش بشع ويصنع لنفسه مخالب من الرصاص، يصبح محتما على كل إنسان أن يفضح هذه البشاعة التي يمارسها البعض ضد الإنسانية ويطارد أسبابها. لاشك في أن مساحة الضمير الإنساني المشترك هي التي دفعت محطة تلفزيونية مثل الـ «بي. بي. سي»، والتي هي ممولة من دافع الضرائب البريطاني، وتدار بفنية وتقنية مستقلة، إلى أن تعرض هذا الفيلم، الذي جرت أحداثه منذ ما يقرب من 20 سنة، ومع ذلك لا تزال حاضرة في عقل التاريخ وأمام عينيه، مشيرة بإصبع الإدانة إلى شارون، وإلى فئة من «الكتائب» ظنت - في لحظة ما من هوس الصراع - أن التصفيات العرقية يمكن أن تكون طريقا إلى تحقيق وطن ودولة تتصور وجودهما خارج السياق الإقليمي، وبعيدا عن خريطة التوازنات المتأرجحة دوما بين المصالح والمبادئ. بيت القصيد أن من فكر بهذا الشريط لم يخرج من تفكير عربي، ويجب أن نشكر محطة تلفزيون الشرق الأوسط على ترجمته وبثه باللغة العربية، ولكنه في الأساس أنتج كموقف إنساني، بعيدا عن التحيز، لإدانة ما ينبغي إدانته، مقاومة للضغوط التي جاءت هذه المرة من الحكومة الإسرائيلية التي يعتقد البعض أن إرادتها لا ترد في الأوساط الغربية. ولقد خاض شارون معركة قبل هذه مع مجلة التايمز الأمريكية، التي قررت في مقال لها أن شارون مسئول مسئولية مباشرة عن مذابح صبرا وشاتيلا لكونه - حينئذ - وزيرا للدفاع يحتل أرضا وكان يتعين عليه أن يحمي المدنيين فيها، ودخلت المجلة معركة قانونية ضد شارون من منطلق الدفاع عن الحقيقة. لقد قال أحد الإسرائيليين في البرنامج ما نصه «إن مذابح صبرا وشاتيلا ذكرتني بهلوكوست». وهي مفهوم يكفي لإثارة القشعريرة في نفوس الكثيرين لارتباطه بمذابح الأفران في ألمانيا والدول التي احتلتها في الحرب العظمى الثانية. لقد لعبت وسائل الإعلام الغربية المستقلة دورا بارزا في كشف الكثير من الحالات والأحداث التي خفيت على الكثيرين. ولعلني أذكر أن أول من كشف المذبحة الإسرائيلية في قانا في جنوب لبنان هي محطة الـ «سي. إن. إن»، التي وزعتها على العالم ووضعت الجانب الإسرائيلي في حرج لم يستطع أن يتخلص من آثاره حتى يومنا هذا. المعركة الاعلامية في حالتي «مذابح صبرا وشاتيلا» و« أحداث قانا»، كما هي حال مقتل الطفل محمد الدرة، وتكسير الأيدي الفلسطينية بالحجارة التي يدقها الجنود الإسرائيليون - في كل هذه الحالات كان الإعلام الغربي هو أول من نشر تلك الممارسات غير الإنسانية على الملأ، وأول من ندد بها، وهو لا يقتصر على مشاهدين أو مستمعين من العرب، بل هو إعلام تسير به موجات البث إلى مئات الملايين من البشر على هذه الأرض، الذين يسعون أكثر وأكثر إلى نصرة العدالة وإحقاق الحق ومحاربة الظلم من أي زاوية أتى، وبأي رداء تزيا. المعركة الإعلامية التي تجتاح العالم في هذا العصر، هي معركة من أجل الحقيقة. والأمر اليقيني أن الربح في هذه المعركة لا يأتي من فراغ أو تزييف أو كذب، فقد ينتشر هذا الأخير كثيرا، ولكنه - بلا ريب - قصير الأجل، وسريع التلاشي، لأن الناس بلغوا من الوعي درجة أصبح من الصعب معها انطلاء الخديعة عليهم، فمهما تقدمت التقنية الإعلامية وتراكمت الخبرة في علوم الاتصال، فسيظل الصدق والحقيقة والأخلاق هي المحور والهدف لإعلام عصري يسعى إلى التنوير والتغيير، ويؤمن بأن أحدا لا يستطيع أن يخدع كل الناس ... كل الوقت. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت