سجلت المحاكم 16 قضية طلاق بسبب الهاتف النقال، ومنها قضية نوعية وعصرية جدا طلق فيها الزوج زوجته برسالة هاتفية، هكذا فجأة تتحول خدمة الاتصال التي تمكنك خدماتها الالكترونية، من ترك رسالة لزميل او قريب او مديرك في العمل تخبره في رسالة عاجلة انك اتصلت به ولم تجده او انك تخبره بأمر ما يهمه أو يهمك الى وسيلة تحمل الكوارث، وخدمة مرعبة تفوق سرعة الصدفة. لكن كيف تتحول هذه الخدمة العصرية الى وبال على الاخرين؟ وكيف تصل الى ان تتمكن من هدم البيوت وتهديد اسر بعدم الاستقرار وتصل الى ان يطلق الزوج زوجته وام عياله من اجل رسالة بعث بها عابث، خدمة بسيطة تتحول الى سوسة ضارة! بالتأكيد لا دخل للهاتف ولا لهذه الخدمة التكنولوجية البسيطة في 16 حالة طلاق، لكن ما له دخل بالفعل هو السلوك والاندفاع والانشغال بتوافه الامور، فالذي تستهويه طوال ساعات النهار لعبة ارسال عشرات الرسائل الهاتفية واستقبالها من اخرين امثاله بدون حاجة او داع حتما شخص فارغ من الانشغالات الهامة، يعشعش الخواء في جمجمته، تدفعه مراهقاته التافهة لمثل هذه الافعال. وقصة «الماسيج» بدأت تتفاقم منذ العام الماضي تقريبا حينما صارت موضة دعمتها شركات ماصة وشافطة للاموال دعت الجمهور عبر اعلانات مغرية على صفحات الجرائد والمجلات للاشتراك في خدمتها مع عبارات رنانة تقول لك ارسل رسالتك الخاصة، واغنيتك لمن تحب وتهوى. وطار الناس بهذه الخدمة والتصقت اصابعهم على ازرة الهواتف بحثا عن الاغنية المفضلة المناسبة للحالة والقصيدة المؤثرة، واشتعلت حمى الرسائل في التقليعة الاخيرة بارسال صور فاضحة متنافية مع الاخلاق، وبعدها جاء دور النكات السخيفة التي صارت تتقاذفها شاشات الهواتف النقالة، صارت موضة عظيمة، وثقافة تافهة يتداولها الناس وكأنهم اكتشفوا سرا من اسرار الكون المثيرة. الى أي فئة يمكن تصنيف هذه الفئة من الافراد المولعين 24 ساعة بارسال الصور الفاضحة والنكات السخيفة واستقبالها؟ وبماذا يحلل الاطباء النفسانيون وخبراء الاجتماع انتشار هذا الولع بين الناس؟ في منتصف السبعينيات خرجت علينا مشاكل المعاكسات الهاتفية وصارت ظاهرة تحدثت عنها وسائل الاعلام وصاح الناس من ويلاتها، والقيت الكرة في ملعب المراهقين، واليوم تفرد تكنولوجيا الاتصال عضلاتها فاتحة المجال من جديد لظاهرة جديدة. من العيب جدا ان نلوم تقدم التكنولوجيا ووفرة موضاتها عندنا، ومن العيب ان نطالب اتصالات بحذف هذه الخدمة، ومن العيب ايضا ان نقول لعاقل احترس على بيتك واسرتك من رسائل النقال. لان المسألة مهزلة، المضحك فيها ان تتحول الى مأساة تلهينا طيلة الوقت بتفاهات مراهقيها.